من «الوجود والزمان» إلى «نقد الحداثة»: كيف نفهم موقع محمد الشيخ في مشروع هايدغر؟

 من «الوجود والزمان» إلى «نقد الحداثة»: كيف نفهم موقع محمد الشيخ في مشروع هايدغر؟





تمهيد: إلى القارئ العربي الذي بدأ للتو قراءة هايدغر


قد يكون القارئ العربي قد تعرّف حديثًا إلى مارتن هايدغر من خلال «الوجود والزمان» (1927)، وربما قرأه بترجمة فتحي المسكيني، فوجد نفسه أمام عالم جديد من المصطلحات: الدازاين، والكينونة، والوجود-في-العالم، والعناية، والزمانية، والأصالة. وقد يظن بعد هذه القراءة أنه عرف المشروع الفلسفي الكامل لهايدغر، لكن «الوجود والزمان» بدايته الكبرى وليس نهايته. فمن أشهر ما يُقال عن الكتاب أنه بقي غير مكتمل: فقد أعلن هايدغر في مقدمته خطة من قسمين، ولم يصدر إلا الجزء الأول من القسم الأول والثاني. أما الأجزاء التي كانت ستنقل التحليل من الزمانية إلى معنى الوجود نفسه وإلى تاريخ الأنطولوجيا، فلم تظهر بالصورة التي وُعد بها. ومن هذا الانقطاع يبدأ فهم الطور اللاحق من تفكيره.


في هذا الطور انتقل هايدغر من تحليل الوجود الإنساني إلى مساءلة تاريخ الميتافيزيقا الغربية، ثم إلى نقد الحداثة والتقنية والعدمية، والبحث عن إمكان «بداية أخرى» للتفكير. وهنا تأتي أهمية كتاب الباحث المغربي محمد الشيخ «نقد الحداثة في فكر هايدغر»، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر ببيروت سنة 2008 في نحو سبعمائة صفحة. فالكتاب لا يقتصر على شرح «الوجود والزمان»، ولا يدرس هايدغر المبكر وحده، بل يتتبع مشروعه وصولًا إلى نقد الحداثة الذي صار من أبرز اهتمامات هايدغر المتأخر. بل إن الشيخ يقرر أن ما فكّر فيه هايدغر «يستحيل التفكير فيه من غير طرح مسألة الحداثة، كونه فكّر بمصير الكينونة ومنقلبها بين عهد القدامة وعهد الحداثة».


ولفهم موقع الشيخ، ينبغي أولًا أن نميز بين مرحلتين كبيرتين في تفكير هايدغر، وبينهما منعطف.


أولًا: هايدغر المبكر — كيف يوجد الإنسان في العالم؟


في «الوجود والزمان» يبدأ هايدغر من تجربة قريبة جدًا منا. أنت الآن تقرأ هذه الكلمات: أنت موجود في مكان، وتفهم لغة، وتستخدم جهازًا، وتحمل ذكريات، ولديك توقعات عما ستقرؤه بعد قليل. ولا تحتاج إلى إثبات وجود العالم قبل أن تتعامل معه، فأنت تعيش فيه بالفعل.


من هنا ينطلق لتحليل ما يسميه الدازاين (Dasein)، أي الموجود الذي يكون وجوده نفسه موضع اهتمام وسؤال بالنسبة إليه. والمقصود ليس «الإنسان» بالمعنى البيولوجي أو النفسي، بل نمط الوجود الذي يتميز بأنه يفهم وجوده ويتخذ منه موقفًا، ولو بصورة غير معلنة. وهذا هو ما يجعله، عند هايدغر، المدخل المشروع إلى سؤال الوجود: فنحن نسأل عن معنى الوجود لأننا نفهمه فهمًا مبهمًا سابقًا على كل نظرية.


ويريد هايدغر أن يبيّن أن الإنسان ليس ذاتًا معزولة تقف أمام العالم كما يقف المشاهد أمام لوحة، وهي الصورة التي ورثتها الفلسفة الحديثة عن ديكارت وكانط. الإنسان موجود منخرط أصلًا في علاقاته وأعماله واهتماماته. فنحن نلتقي الأشياء أولًا بوصفها أدوات نستعملها (القلم للكتابة، والباب للعبور) لا بوصفها أشياء نتأملها ونصفها. وقد سمّى هذا النمط «الجاهزية لليد»، وجعله أسبق من نمط «الحضور القائم» الذي ينظر فيه العلم إلى الأشياء بوصفها موضوعات مجرّدة.


ومن هذا التحليل تتولد مفاهيم الوجود-في-العالم، والوجود-مع-الآخرين وما يسميه «الهُمْ» (das Man) بوصفه نمطًا يذوب فيه الفرد في الرأي العام، ثم العناية، والقلق الذي يكشف للدازاين أن العالم المألوف ليس سندًا نهائيًا، والوجود نحو الموت بوصفه الإمكان الأخص الذي لا يقوم أحد مقامنا فيه، وأخيرًا الزمانية. وليس الهدف دراسة نفسية الإنسان، وإنما الكشف عن الأفق الذي يجعل فهم الوجود ممكنًا. ولهذا يحمل الكتاب عنوانه: لأن هايدغر يحاول أن يصل من تحليل الوجود الإنساني إلى الزمانية بوصفها أفقًا لفهم معنى الوجود.


هذه هي المرحلة التي يواجهها القارئ العربي أساسًا حين يقرأ «الوجود والزمان» بترجمة المسكيني. لكن ترجمة المسكيني نفسها مشروع فلسفي وتأويلي يستحق الدراسة، وليست مجرد استبدال ألفاظ عربية بألفاظ ألمانية. فاختيار مقابل لـ Sein أو Dasein أو Ereignis ليس إجراءً تقنيًا محايدًا، بل يحمل تصورًا عن النص وعن الفلسفة. ومن الضروري التمييز بين ما يقوله هايدغر في النص الأصلي وبين الخيارات الاصطلاحية والتأويلية التي يتخذها المترجم.


ثانيًا: انعطافة هايدغر — من الإنسان إلى تاريخ الوجود


بعد «الوجود والزمان» يتطور تفكير هايدغر فيما يُعرف بالانعطافة أو التحول (Kehre). وتُعدّ «رسالة في الإنسانوية» (1946) من أشهر النصوص التي يُستشهد بها في هذا السياق. ومن المهم أن نتذكر أن هايدغر نفسه كان يرى أن «الانعطافة» تخص حركة السؤال عن الوجود، لا مجرد انقلاب في آرائه، وأنه نبّه إلى أن بذور هذا التحول موجودة في مشروعه الأول.


ولا يعني ذلك أنه تخلى عن سؤال الوجود، بل تغيّرت طريقة معالجته. فبدلًا من أن يكون التحليل الوجودي للدازاين هو الطريق الرئيس، صار يركز بصورة متزايدة على تاريخ انكشاف الوجود واحتجابه في الفلسفة الغربية. وفي هذا التصور لا يكون الوجود شيئًا يملكه الإنسان أو يصنعه، بل ما يُعطي نفسه ويحتجب، والإنسان هو «الراعي» الذي يُستدعى إلى الإصغاء إليه.


وصار هايدغر يسأل: كيف فهم اليونانيون الوجود؟ وكيف تغيّر هذا الفهم في الميتافيزيقا من أفلاطون وأرسطو إلى العصر الوسيط ثم إلى ديكارت؟ وكيف أصبح الإنسان الحديث ينظر إلى الطبيعة بوصفها موضوعًا للحساب والسيطرة؟ وهنا تبدأ موضوعات نيتشه والعدمية وإرادة القوة والتقنية الحديثة وتجاوز الميتافيزيقا.


وهذه الانعطافة ليست تغييرًا في الموضوع فحسب، بل في طريقة طرح السؤال نفسه. فهايدغر المتأخر لا يسأل «كيف يوجد الإنسان في العالم؟» فحسب، بل يسأل أيضًا: كيف حدث أن صار الإنسان هو «الذات» والموجود هو «الموضوع»؟ وهذا السؤال التاريخي هو ما يجعله نقدًا للحداثة بالمعنى العميق، لأن الحداثة عنده ليست مجرد حقبة زمنية، بل نمط من الكشف عن الوجود، أي طريقة معينة يظهر بها كل ما هو موجود. وفي هذا السياق يقرأ هايدغر الكوجيتو الديكارتي بوصفه لحظة تأسيسية: ففيه تصير الذات الواعية الأساس الذي يُقاس عليه كل يقين، ويصير العالم «تمثّلًا» أمامها.


ثالثًا: هايدغر المتأخر — كيف أصبحت التقنية طريقة لرؤية العالم؟


في أعماله اللاحقة، ومنها محاضرته الشهيرة «السؤال عن التقنية»، لا يعامل هايدغر التقنية بوصفها مجموعة آلات فحسب. فالمشكلة ليست أن الإنسان اخترع المحرك أو الحاسوب أو السد الكهربائي. المشكلة، في نظره، أن العالم الحديث يميل إلى إظهار الموجودات باعتبارها موارد قابلة للحساب والتنظيم والتخزين والاستعمال، وهو ما يسميه «المخزون» (Bestand).


فالنهر الذي يمكن أن يظهر مكانًا للعيش أو منظرًا طبيعيًا، يظهر في النظام التقني بوصفه مصدرًا للطاقة. وقد ضرب هايدغر مثالًا بالفرق بين جسر خشبي قديم يربط ضفتين ويظل النهر معه نهرًا، ومحطة كهرمائية تُدخل النهر في منظومة إنتاج الطاقة. وللفكرة أمثلة أقرب إلينا، فالغابة تظهر «كمخزون خشب»، والمدينة تظهر «كمخزون من الأيدي العاملة»، وحتى الإنسان نفسه قد يُنظر إليه بوصفه «موردًا بشريًا».


وليس المقصود أن النظرة التقنية باطلة دائمًا. فهايدغر لا ينكر قيمة العلم والتقنية في حياتنا، وإنما يرى أن هيمنتها قد تحجب إمكانات أخرى لفهم الموجودات والعلاقة بها. والخطر الأكبر عنده ليس في الأجهزة، بل في أن يظن الإنسان أن هذه الطريقة في الكشف هي الطريقة الوحيدة الممكنة.


وهنا يتحدث عن التأطير التقني (Gestell)، وعن تاريخ الميتافيزيقا بوصفه الخلفية التي أنتجت هذا التأطير، وعن تفكير لا يختزل كل ما يوجد إلى موضوع للسيطرة، وهو ما يسميه في أعماله الأخيرة الإصغاء والطمأنينة (Gelassenheit)، أي موقفًا يقول «نعم» و«لا» للأشياء التقنية معًا. وهذه الأسئلة لا تمثل الموضوع الأساس لـ«الوجود والزمان»، وإن كانت متصلة بالسؤال الفلسفي الذي بدأ منه.


رابعًا: أين يقع محمد الشيخ؟


هنا تتضح قيمة كتاب «نقد الحداثة في فكر هايدغر». فالشيخ لا يكتب شرحًا مستقلًا لمفاهيم الدازاين والقلق والعناية والزمانية فحسب، بل يحاول تقديم مسار واسع يربط بين سؤال الإنسان والكينونة وبين تاريخ الفكر الغربي ونقد الحداثة.


يتناول في الفصول الأولى الأسس المفهومية لفلسفة هايدغر، ثم ينتقل إلى تاريخ الكينونة وتاريخ الفكر، وبعد ذلك إلى صفات الحداثة ونقدها، وأخيرًا إلى إمكان تجاوزها. وهذا التسلسل يؤكد أنه يبني مسارًا متدرجًا يأخذ بيد القارئ من «بسائط المفاهيم» إلى النتائج.


والقارئ الذي أنهى «الوجود والزمان» وانتقل مباشرة إلى الشيخ سيجد نفسه أمام إشكالية أوسع. ففي الكتاب الأول يسأل هايدغر: كيف نفهم وجودنا في العالم، وما علاقة ذلك بمعنى الوجود؟ أما في مشروعه المتأخر، الذي يحتل موقعًا مركزيًا في دراسة الشيخ، فيسأل: كيف تشكل الفهم الغربي للوجود تاريخيًا، ولماذا بلغ صورته التقنية الحديثة؟


وبذلك يصبح الشيخ قارئًا لمسار هايدغر من بدايته الأنطولوجية إلى نقده التاريخي للحداثة، لا مجرد شارح آخر لـ«الوجود والزمان». وهو نفسه يصف مشروعه بأنه نظر في «ما فكر فيه» هايدغر قبل أن يكون سعيًا إلى التفكير في «ما لم يفكر فيه». وهذا التمييز نفسه هايدغري الروح، فهو يذكّر بقوله إن كل تفكير عظيم يترك وراءه «غير المفكَّر فيه»، وإن أفضل وفاء لمفكر ما أن نحاور ما فكّر فيه قبل أن ندّعي تجاوزه.


خامسًا: وما الذي ينبغي أن ينتبه إليه القارئ العربي؟


لا يجوز أن نقرأ هايدغر المتأخر كأنه استمرار مباشر لجميع نتائج «الوجود والزمان»، ولا أن نفصل المرحلتين فصلًا تامًا. فبينهما استمرار في السؤال وتحول في المنهج والمفاهيم. والأهم ألا نخلط بين ثلاثة أعمال مختلفة:


الأول هو نص هايدغر الأصلي، بما يحتويه من أطروحات وأسئلة وصعوبات، وبما فيه من تحوّلات داخلية بين محاضرة وأخرى وكتاب وآخر.


والثاني هو الترجمة العربية، كما في عمل المسكيني، حيث تدخل اختيارات اللغة والتأويل في تشكيل فهم القارئ. فالقارئ الذي لا يقرأ الألمانية لا يقرأ هايدغر «مباشرة»، بل يقرأ هايدغر كما أعاد المترجم صياغته.


والثالث هو إعادة البناء الفلسفي، كما نجد عند الشيخ، الذي ينتقي مسارًا محددًا من فلسفة هايدغر ويجعله مدخلًا إلى نقد الحداثة. وهذا الانتقاء مشروع، لكنه يعني أن القارئ يرى هايدغر من زاوية بعينها.


هذه مستويات متمايزة، ومن الظلم لأي منها أن نعاملها كأنها عمل واحد.


ويبقى هناك تحدٍّ لغوي واعٍ يشير إليه الشيخ نفسه، وهو محاولة «إنطاق أنظار هايدغر لغة الضاد» بما يضمن اختفاء رطانة هايدغر داخل العربية الاختفاء الأبعد. وهذا الاعتراف يضع الكتاب في موقعه الصحيح: ليس ترجمة، وليس شرحًا محايدًا، بل محاولة إعادة بناء فلسفية بوعي بالمشكلات اللغوية والتأويلية.


خاتمة: من فهم هايدغر إلى محاورته


لا يكفي أن نعرف أن هايدغر انتقل من تحليل الدازاين إلى نقد التقنية. ينبغي أن نسأل أيضًا عن مشروعية هذا الانتقال:


· هل يؤدي تحليل تجربة الإنسان اليومية بالضرورة إلى تصور معين لتاريخ الميتافيزيقا؟

· وهل يكفي نقد العقل الأداتي لإثبات أن الحداثة كلها محكومة بنمط واحد من فهم الوجود؟ ألا يخفي هذا التعميم تنوع الحداثة وصراعاتها الداخلية، ومنها تقاليد نقدية وأخلاقية وسياسية نشأت داخلها؟

· وهل ينجح هايدغر المتأخر في تقديم إمكانية فلسفية جديدة، أم يظل الحديث عن «البداية الأخرى» وعدًا يصعب تحديد شروط تحققه؟ ثم ما الذي تبقّى من الفعل الإنساني والمسؤولية الأخلاقية والسياسية إذا كان تاريخ الوجود هو الذي «يُرسل» العصور؟


هذه أسئلة ينبغي أن يحملها القارئ معه إلى كتاب الشيخ. وهي أسئلة طرحها نقاد هايدغر من تقاليد شتى، ولا يلزم أن يوافق القارئ على أجوبتها ليستفيد من إلحاحها.


وبالنسبة إليّ، فإن قيمة قراءة هايدغر لا تكمن في تكرار لغته ولا في التسليم باتساع أحكامه التاريخية، وإنما في القدرة على العودة إلى التجربة التي انطلق منها، وفهم حججه، ثم مساءلة الحدود التي يحق له الوصول إليها. فلسنا مضطرين إلى اختيار أحد أمرين: إما قبول فلسفة هايدغر بكاملها، وإما رفضها بسبب صعوبة عبارتها. هناك طريق ثالث أكثر خصوبة: أن نفهم ما وصفه، ونميز بين الوصف والتفسير والاستنتاج، ثم نحاكم كل مرحلة بحسب الأدلة التي تسندها.


وهذا، في تقديري، هو المدخل الأجدى للقارئ العربي: أن يبدأ بفهم «الوجود والزمان»، ثم يدرك التحول الذي عرفه مشروع هايدغر، وبعد ذلك يقرأ الشيخ بوصفه محاورًا لهذه الفلسفة في أفق نقد الحداثة، لا بوصفه بديلًا عن قراءة هايدغر نفسه.


فالقارئ الذي ينتقل من «الوجود والزمان» إلى محمد الشيخ لا ينتقل فقط من مرحلة إلى أخرى في فلسفة هايدغر، بل ينتقل من سؤال «كيف أفهم وجودي؟» إلى سؤال «لماذا وصل العالم إلى ما وصل إليه؟». وفي هذا الانتقال تكمن أهمية الشيخ: فهو لا يقدم هايدغر بوصفه «فيلسوفًا وجوديًا» فقط، بل «مفكرًا للحداثة ومصيرها». وهذا ما يجعله محاورًا لا شارحًا فحسب.



---



تعليقات

المشاركات الشائعة