قراءة في «مجموعة مقالات كانط في فلسفة التاريخ» بترجمة وتعليق لي مينغ هوي




فلسفة التاريخ عند كانط: حين نحاول العثور على عقل داخل فوضى العالم قراءة في «مجموعة مقالات كانط في فلسفة التاريخ» بترجمة وتعليق لي مينغ هوي حين نذكر إيمانويل كانط، نكاد بصورة آلية نتجه إلى كتبه الثلاثة الكبرى: نقد العقل المحض، نقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم. هناك نبحث عن شروط المعرفة، وحدود العقل، وإمكان الحرية، ومكان الأخلاق، وعن ذلك الفصل الحاسم بين ما يمكن أن يظهر لنا وما قد يكون الشيء في ذاته. لكن كانط لم يبقَ طويلًا داخل هذه العمارة المجردة. هناك سؤال آخر كان ينتظره خارجها: ماذا يحدث حين يدخل هذا الكائن الحر إلى التاريخ؟ فالإنسان الذي يحدثنا عنه كانط في الأخلاق ليس عقلًا معلقًا خارج الزمن. إنه يولد داخل مجتمع، ويصطدم بالآخرين، ويخضع للقوانين، ويدخل الحرب، ويبني الدولة، ويتمرد عليها، ويتعلم، ويورّث أبناءه مؤسسات لم يخترها أول الأمر. وهنا تبدأ المشكلة. إذا كان الإنسان حرًا، فكيف يمكن أن يكون للتاريخ نظام؟ وإذا كان التاريخ سلسلة من الحروب والثورات والطموحات والأنانيات والصدف، فبأي معنى نستطيع أن نتحدث عن تقدم؟ وإذا كان العقل قد علّمنا، في «نقد العقل المحض»، ألّا نتجاوز حدود الخبرة، فبأي حق نتحدث أصلًا عن «غاية» للتاريخ؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل كتاب «مجموعة مقالات كانط في فلسفة التاريخ» مهمًا. فالكتاب لا يقدم مؤلفًا واحدًا كتبه كانط بوصفه «فلسفة للتاريخ»، وإنما يجمع نصوصًا ومقالات متفرقة كتبها في مناسبات مختلفة، لكنها حين توضع إلى جوار بعضها تكشف مشروعًا كاملًا تقريبًا. نلتقي فيها بكانط وهو يفكر في التاريخ، والتنوير، والدولة، والحرية، والحرب، والسلام، والتقدم، والمواطنة العالمية. والأجمل أن هذا «الكانط التاريخي» لا يختلف عن كانط النقدي، بل يكشف امتداد مشروعه إلى منطقة أكثر خطورة. فالسؤال نفسه يعود دائمًا: ما الذي يحق للعقل أن يقوله؟ لكن هذه المرة ليس عن الله أو النفس أو العالم في ذاته، بل عن التاريخ. كتاب لم يكتبه كانط بوصفه كتابًا أول ما ينبغي إدراكه هو أننا لسنا أمام كتاب منهجي ألّفه كانط تحت عنوان «فلسفة التاريخ». نحن أمام مجموعة نصوص تتوزع على سنوات مختلفة، من أشهرها: «فكرة لتاريخ كوني من وجهة نظر مواطنية عالمية»، و«جواب عن السؤال: ما التنوير؟»، ونصوص تتعلق بالعلاقة بين النظرية والممارسة، و«نحو السلام الدائم»، ونصوص أخرى متصلة بالتقدم والحق والسياسة. لذلك لا ينبغي أن نقرأ المجموعة كما نقرأ «نقد العقل المحض». لا توجد هنا عمارة واحدة شديدة الانضباط تبدأ بالتعريفات ثم تنتقل إلى الاستنباط. ما نجده أقرب إلى مختبر. كانط يختبر فكرة ثم يعود إليها من جهة أخرى. مرة يسأل عن خطة الطبيعة. ومرة يسأل عن التنوير. ومرة عن الجمهورية. ومرة عن العلاقات بين الدول. ومرة عن إمكان أن نقول إن البشرية تتقدم أصلًا. لكن وراء هذا التناثر سؤال واحد تقريبًا: هل يمكن أن يكون للفوضى البشرية اتجاه عقلي من دون أن تتحول فلسفة التاريخ إلى ميتافيزيقا؟ هنا تبدأ متعة الكتاب. لأن كانط يدخل منطقة تبدو، للوهلة الأولى، محرمة عليه هو نفسه.

المأزق الأول: كيف يمكن أن يكون للتاريخ قانون إذا كان الإنسان حرًا؟ في الطبيعة يبدو الأمر أسهل. يسقط الحجر وفق قوانين. وتدور الكواكب وفق انتظام. وتحدث الظواهر الطبيعية ضمن شبكة من السببية. لكن التاريخ مختلف. التاريخ تصنعه إرادات. ملوك يقررون الحرب. شعوب تثور. أفراد يخونون ويضحون. مجتمعات تبني مؤسسات ثم تهدمها. هنا يبدو الحديث عن «قانون للتاريخ» خطرًا؛ لأنه قد يحوّل الحرية إلى وهم. وكانط يعرف هذه المشكلة جيدًا. لذلك لا يقول ببساطة إن التاريخ يخضع لقانون كما تخضع الأجسام للفيزياء. بدلًا من ذلك يحاول أن ينظر إلى التاريخ من زاوية أخرى. ربما لا توجد خطة واعية لدى الأفراد. لكن هل يمكن أن يظهر، على مستوى النوع الإنساني، انتظام لم يقصده أحد منهم؟ هنا تأتي فكرته الشهيرة عن خطة الطبيعة. فالإنسان قد يسعى إلى مصلحته الخاصة، وإلى السلطة، وإلى الشهرة، وإلى التفوق، بينما تؤدي هذه المصالح المتعارضة، على مدى أزمنة طويلة، إلى نتائج أوسع: بناء مؤسسات، وتطوير القوانين، وتكثيف العلاقات بين المجتمعات. الفكرة جريئة جدًا. لكنها تثير عندي مباشرة سؤالًا كانطيًا ضد كانط: من أين عرفنا أن الطبيعة تملك خطة أصلًا؟ إذا كان كانط قد علّمنا الحذر من إسقاط غاياتنا على الأشياء، أفلا يمكن أن تكون «خطة الطبيعة» هنا إسقاطًا جديدًا؟ وهذه ليست ملاحظة صغيرة. إنها واحدة من مناطق التوتر الأساسية في فلسفة التاريخ الكانطية.

التاريخ ليس معرفة نبوئية أظن أن أفضل طريقة للدفاع عن كانط هنا ألا نحول حديثه عن «خطة الطبيعة» إلى حقيقة ميتافيزيقية. ليس المقصود أننا اكتشفنا عقلًا سريًا يدير الوقائع من وراء الستار. الأدق أن نقول: كانط يبحث عن خيط إرشادي يسمح للعقل بأن يقرأ الكثرة التاريخية بوصفها أكثر من تجاور عشوائي للأحداث. نحن نجرب أن ننظر إلى التاريخ «كما لو» أن هناك اتجاهًا يمكن أن ينتظم فيه تطور الاستعدادات الإنسانية. وهذا قريب جدًا من مفهوم الفكرة التنظيمية في فلسفته. لكن الحذر ضروري. فالخطوة من: «يمكن قراءة التاريخ بهذه الصورة» إلى: «التاريخ فعلًا يسير وفق هذه الخطة» خطوة هائلة. وهي بالضبط الخطوة التي ينبغي ألا نقفز فوقها. ومن هنا يبدأ تباعد كانط عن بعض فلسفات التاريخ التي ستأتي بعده. فكانط لا يستطيع، من داخل فلسفته النقدية، أن يعلن أنه امتلك مفتاح التاريخ. إنه يستطيع أن يبحث عن انتظام. لكنه لا يستطيع أن يتحول إلى نبي.

«الاجتماعية غير الاجتماعية»: أجمل مفارقات الكتاب من أكثر مفاهيم هذه النصوص إثارة عندي مفهوم: ungesellige Geselligkeit ويترجم عادة إلى: الاجتماعية غير الاجتماعية. العبارة نفسها تبدو متناقضة، لكنها تصف شيئًا نعرفه جيدًا. الإنسان يحتاج إلى الآخرين. لا تتطور قدراته في العزلة. اللغة تحتاج إلى مجتمع. والثقافة تحتاج إلى مجتمع. والعلم يحتاج إلى تراكم مشترك. وحتى إثبات الذات لا يحدث إلا أمام ذوات أخرى. لكن الإنسان نفسه الذي يحتاج الآخرين يقاومهم. يريد أن يتميز. أن يتقدم عليهم. أن يملك أكثر. أن تكون له مكانة أعلى. أن يخضعهم لإرادته. إذن نحن اجتماعيون وغير اجتماعيين في اللحظة نفسها. وهنا يقلب كانط المشكلة رأسًا على عقب. فربما ليست هذه الأنانية مجرد عائق أمام الحضارة. ربما تكون أيضًا أحد محركاتها. التنافس يدفع الإنسان إلى تنمية قدراته. الطموح يدفعه إلى العمل. الصراع يجبر المجتمعات على تطوير مؤسسات تنظّم العلاقات. والخوف من الآخرين يدفع الدول إلى البحث عن أنظمة أكثر استقرارًا. وهنا تظهر واحدة من أكثر أفكار كانط واقعية: التاريخ لا ينتظر أن يصبح البشر أخيارًا لكي يبدأ بناء النظام. يمكن أن تُبنى مؤسسات عقلانية من دوافع ليست عقلانية أو أخلاقية تمامًا.

وهنا بدأتُ أختلف مع تفاؤل القراءة السهلة لكانط هذه الفكرة مغرية جدًا. لكنها أيضًا خطرة. لأننا إذا لم نحذر فقد نقول: الحروب سيئة، لكنها تقود إلى تقدم. الطغيان سيئ، لكنه يدفع البشر إلى الحرية. الصراع مؤلم، لكنه ضروري لنمو الحضارة. وهنا يستطيع التاريخ أن يتحول بسهولة إلى آلة لتبرير الشر. وأظن أن كانط نفسه يمنحنا الأدوات لمقاومة هذا الاستنتاج. لأن الأخلاق عنده لا تسمح لنا بأن نحكم على الفعل فقط من خلال النتائج التي ستأتي بعده. لا يستطيع الإنسان أن يقول: «لعل هذا الظلم ضروري لخطة التاريخ.» هذه الجملة نفسها مشبوهة من منظور كانطي. الضحية ليست وسيلة. والإنسان غاية في ذاته. لذلك يجب الفصل بين مستويين: يمكن للفيلسوف أن يحاول فهم كيف أدت الصراعات تاريخيًا إلى نشوء مؤسسات معينة. لكن هذا لا يمنح أحدًا حق تسويغ الصراع أخلاقيًا بوصفه وسيلة للتقدم. وهذا الفصل في رأيي حاسم. وإلا تحول كانط إلى نسخة مبكرة من فلسفة تقول: دع التاريخ يرتكب جرائمه، فالعقل يعرف إلى أين يقوده. وهذا ليس كانط الذي أعرفه.

الحضارة ليست الأخلاق هنا نصل إلى نقطة أعتقد أنها من أهم ما يمكن استخراجه من هذه النصوص. يمكن أن تتقدم الحضارة من دون أن يتقدم الإنسان أخلاقيًا بالمقدار نفسه. قد نصبح أكثر تعليمًا. أكثر تهذيبًا. أكثر تنظيمًا. أكثر قدرة على التجارة. أكثر ذكاءً في تصميم المؤسسات. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر خيرًا. هذا التمييز يقطع الطريق على كثير من الخطابات الحديثة عن «التقدم». فالتكنولوجيا ليست أخلاقًا. والتطور المؤسسي ليس فضيلة. وازدياد المعرفة لا يعني ازدياد الحكمة. والإنسان يستطيع أن يستعمل أرقى منتجات الحضارة في أكثر مشروعاته بربرية. هذا درس شديد المعاصرة. وربما لو عاش كانط في زمننا لرأى فيه تأكيدًا لمشكلته القديمة: كيف يمكن للحضارة أن تتقدم أسرع من الأخلاق؟

«ما التنوير؟»: ليس السؤال ماذا تعرف، بل هل تجرؤ على استعمال عقلك؟ ثم نصل إلى واحد من أشهر نصوص الكتاب: «جواب عن السؤال: ما التنوير؟» الجملة المعروفة: Sapere aude «تجرأ على أن تعرف» أو «امتلك الشجاعة لاستعمال عقلك». لكن من السهل أن نحول هذا الشعار إلى ملصق جميل عن التفكير المستقل، ونفقد بذلك الجانب الأكثر إثارة في المقال. كانط لا يتحدث فقط عن شخص يجلس منفردًا ويفكر بحرية. التنوير يحتاج أيضًا إلى فضاء عمومي. نحتاج إلى إمكان نشر النقد. والمجادلة. والاعتراض. والكتابة. والتفكير أمام الآخرين. فالإنسان قد يمتلك عقلًا، لكنه يظل في حالة قصور إذا كانت البنية الاجتماعية تمنعه من استعماله علنًا. وهنا يصبح التنوير مؤسسة بقدر ما هو موقف شخصي. وهذا مهم جدًا. لأن الحديث المعاصر عن «فكر بنفسك» يكون أحيانًا ساذجًا. فليس كل إنسان يستطيع التفكير بحرية لمجرد أنه قرر ذلك. هناك مدارس. وسلطات. ومؤسسات. وأنظمة إعلام. وضغوط اجتماعية. وأحيانًا مصالح اقتصادية تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. وكانط، رغم لغة عصره، كان يدرك أن التنوير يحتاج إلى شروط اجتماعية تسمح للعقل بأن يتنفس.

لكن كانط نفسه يترك هنا مشكلة هناك في مقال التنوير تمييز مشهور بين: الاستعمال الخاص للعقل والاستعمال العام للعقل. قد يكون الإنسان موظفًا يؤدي وظيفة ضمن نظام معين، فيلزمه أحيانًا الامتثال أثناء أداء وظيفته. لكنه بوصفه عالمًا أو كاتبًا أو مواطنًا في فضاء عام يملك حق النقد. الفكرة ذكية. لكنها ليست خالية من المشكلات. أين ينتهي «أداء الوظيفة» وأين يبدأ العقل العام؟ ماذا لو كان النظام نفسه ظالمًا؟ هل يكفي أن أطيع نهارًا وأنقد مساءً؟ هذه المنطقة تكشف أن كانط كان يفكر في الإصلاح أكثر من الثورة. إنه يفضّل تحولًا تدريجيًا للعقل والمؤسسات. وهذا يفسر جانبًا من تحفظه تجاه الثورات السياسية حتى حين كان متعاطفًا مع بعض الدلالات الأخلاقية التي كشفتها الثورة الفرنسية.

الدولة: لا نحتاج إلى ملائكة تتقدم فلسفة التاريخ عند كانط خطوة أخرى. إذا كان البشر يحملون داخلهم هذا التوتر بين التعاون والتنافس، فالحل ليس انتظار تحسن الطبيعة البشرية. نحتاج إلى مؤسسات. وهنا يصبح القانون حاسمًا. الدولة ليست مبنية على افتراض أن البشر صالحون. بل على العكس. ينبغي أن يكون النظام السياسي عقلانيًا بما يكفي لكي يعمل حتى مع بشر تحركهم مصالحهم. وفي بعض نصوصه يصل كانط إلى الفكرة الشهيرة التي يمكن تلخيصها هكذا: مشكلة إنشاء دولة قانونية قابلة للحل حتى بالنسبة إلى «شعب من الشياطين»، إذا كانوا عقلاء بما يكفي لتنظيم مصالحهم. المقصود ليس مدح الشياطين. بل القول: السياسة الجيدة لا ينبغي أن تعتمد على قداسة الحاكم. وهذا من أكثر جوانب كانط حداثة. فالمشكلة ليست أن نعثر على حاكم ملائكي. بل أن نصمم بنية لا تحتاج إلى الملائكة أصلًا. المؤسسة أقوى من النية. والقانون أكثر أمانًا من الاعتماد على فضيلة الأشخاص.

السياسة تحت محكمة الحق وهنا نصل إلى «نحو السلام الدائم». العنوان قد يوحي بمقال حالم. لكن النص أكثر صلابة مما يبدو. كانط لا يقول: لنتحاب. ولا: لو كان الحكام أكثر طيبة لتوقفت الحروب. المشكلة في نظره مؤسسية. كما خرج الأفراد من الحالة الطبيعية إلى نظام قانوني، ينبغي للدول أيضًا أن تتجاوز الحالة التي تكون فيها كل دولة قاضيًا في قضيتها. فالعلاقات الدولية إذا بقيت قائمة فقط على القوة والتوازن والخوف، تظل شبيهة بالحالة الطبيعية. ومن هنا تظهر الحاجة إلى اتحاد أو رابطة بين الدول، وإلى قانون دولي، وإلى تصور للمواطنة العالمية. وهنا يصبح السلام مشروعًا قانونيًا لا أمنية أخلاقية.

لكن هل صدق التاريخ كانط؟ هنا يصبح الكتاب معاصرًا بطريقة مؤلمة. لدينا اليوم منظمات دولية. ومواثيق. ومحاكم. وقانون دولي. وشبكات اقتصادية عالمية. لكن الحرب لم تختف. ولا القوة. ولا المصالح. ولا تستطيع المؤسسات الدولية دائمًا إلزام الدول الأقوى. هل يعني ذلك أن كانط فشل؟ ليس بهذه السرعة. ربما العكس. ربما تكشف هشاشة هذه المؤسسات أن المشكلة التي وصفها ما زالت قائمة: الدول تعيش بين منطقين. منطق القانون. ومنطق القوة. وكلما انهار الأول ظهر الثاني مباشرة. لكن يجب أيضًا ألّا نحول كانط إلى صاحب وصفة جاهزة للأمم المتحدة الحديثة. فالمسافة كبيرة بين مشروعه الفلسفي والمؤسسات الموجودة اليوم. الأهم هو المبدأ: السلام ليس شعورًا؛ السلام بنية قانونية. وهذه الفكرة ما زالت أقوى من كثير من الخطابات الأخلاقية المجردة عن السلام.

أين يظهر «الكانطي الصارم» داخل فلسفة التاريخ؟ ما جذبني في هذه المجموعة ليس تفاؤل كانط. بل حدوده. أنا أصلًا أقرأ كانط من زاوية الحدود. أين يمكن للعقل أن يتكلم؟ وأين ينبغي أن يتوقف؟ ولهذا أجد فلسفة التاريخ عنده مثيرة لأنها تدفعه إلى حافة مشروعه النقدي نفسه. فعندما يقول إن التاريخ قد يسير نحو غاية، أسأل: هل عرف ذلك أم احتاج إليه؟ وعندما يتحدث عن خطة الطبيعة: هل يصف التاريخ أم ينظم قراءتنا له؟ وعندما يتحدث عن التقدم: هل يتحدث عن واقعة أم عن أفق؟ وعندما يتحدث عن السلام الدائم: هل يتنبأ بما سيحدث، أم يحدد ما ينبغي للعقل السياسي أن يعمل من أجله؟ هذه الأسئلة تجعل النص أكثر إثارة من القراءة المدرسية التي تلخصه هكذا: «كانط يؤمن بتقدم البشرية.» هذه العبارة فضفاضة جدًا. أي تقدم؟ حضاري؟ قانوني؟ أخلاقي؟ تقني؟ وهل التقدم مضمون؟ وهل نستطيع البرهنة عليه؟ كانط أكثر حذرًا من هذا كله.

هنا يبدأ الطريق نحو هيغل لكن خلف كانط يقف هيغل. وهنا يصبح الكتاب تاريخيًا بمعنى آخر. فالأسئلة التي يتركها كانط مفتوحة سيتقدم هيغل لمحاولة حلها. كانط يرى انتظامًا ممكنًا في التاريخ. هيغل سيعطي التاريخ بنية عقلية أقوى. كانط يبحث عن خيط. هيغل يبحث عن منطق. كانط يظل حذرًا من ادعاء معرفة غاية التاريخ. هيغل سيقول إن التاريخ العالمي هو تقدم في وعي الحرية. لكن ينبغي الحذر من تبسيط هيغل أيضًا. ليس الأمر أن كانط يقول «لا نعرف شيئًا»، وهيغل يقول «أنا أملك عين الله». الاختلاف أعمق. هيغل يعتقد أن العقل يستطيع أن يكتشف العقلانية المتحققة داخل التاريخ نفسه. أما كانط فيبقى أكثر تشككًا في إمكان تحويل التاريخ إلى علم بالضرورة. وهنا يظهر السؤال الذي سيطارد الفلسفة طوال القرن التاسع عشر: هل التاريخ مفتوح حقًا، أم أن له منطقًا نستطيع اكتشافه؟

ولماذا أخاف من هيغل هنا أكثر مما أخاف من كانط؟ لأن كلما ازدادت ثقتنا بأن التاريخ يمتلك ضرورة، ازدادت إمكانية تبرير ما حدث باسم تلك الضرورة. إذا قلنا: كان لا بد من هذا. وكانت هذه الحرب مرحلة ضرورية. وكان سقوط هؤلاء ضروريًا. وكان هذا العنف ثمنًا للتقدم. نكون قد منحنا التاريخ سلطة أخلاقية لم يمنحها له أحد. وهنا أفضل هشاشة كانط. أن تقول: «أرجو أن يكون للتاريخ اتجاه عقلاني» أكثر تواضعًا من أن تقول: «لقد اكتشفت منطقه.» فالحد النقدي ليس نقصًا. أحيانًا يكون حماية.

لكن هل يكفي الأمل؟ هنا أصل إلى المشكلة التي تجعلني لا أكتفي بكانط أيضًا. إذا لم نستطع إثبات التقدم، فما الذي يبقى؟ أن نأمل؟ لكن لماذا يكون الأمل أكثر شرعية من التشاؤم؟ لماذا لا يكون التاريخ ببساطة سلسلة غير مضمونة من التقدم والتراجع؟ لماذا نفترض أن الجنس البشري يتعلم أصلًا؟ القرن العشرون وحده يكفي لإزعاج أي فلسفة سهلة للتقدم. والقرن الحادي والعشرون لا يمنحنا راحة كبيرة أيضًا. العلم يتقدم. لكن القدرة على التدمير تتقدم معه. التواصل يتوسع. لكن التضليل يتوسع أيضًا. القوانين الدولية تتطور. لكن الحروب تستمر. المعرفة تتراكم. لكن الإنسان لا يبدو أنه أصبح حكيمًا بالمعدل نفسه. إذن ربما لا يكون التاريخ خطًا صاعدًا. ربما هو بناء وهدم. تقدم في جانب وتراجع في آخر. وهنا أجد أن كانط نفسه يتيح لنا هذا الحذر. فهو لا يمنحنا حق تحويل الرجاء إلى خبر.

أجمل ما في الكتاب: الفرق بين ما حدث، وما نفهمه، وما نرجوه ربما يمكن تلخيص فلسفة التاريخ الكانطية كلها في ثلاثة مستويات: ما حدث. وهذه مهمة التاريخ التجريبي. ثم: كيف يمكن أن نفهم ما حدث ضمن تصور عقلي؟ وهذه مهمة فلسفة التاريخ. ثم: ما الذي يحق لنا أن نرجوه أو نعمل من أجله؟ وهذه المنطقة الأخلاقية والسياسية. المشكلة تبدأ حين نخلط المستويات الثلاثة. فنحوّل الأمل إلى حقيقة. أو نجعل التفسير ضرورة. أو نستخرج من «ما حدث» حكمًا حول «ما ينبغي أن يحدث». وهنا يعود كانط الذي أعرفه. كانط الذي يحمل السكين نفسها في كل مكان: افصل. ميّز. لا تمنح مفهومًا أكثر مما يحق له.

هل هناك فعلًا «تقدم للبشرية»؟ هذا السؤال لا يزال يؤرقني. والمشكلة أن كلمة «التقدم» نفسها تخدعنا. إذا كان المقصود التقدم العلمي، فالجواب يبدو واضحًا. إذا كان المقصود القدرة التقنية، كذلك. إذا كان المقصود المؤسسات القانونية، فالصورة أكثر تعقيدًا. أما إذا كان المقصود التقدم الأخلاقي، فهنا لا أرى أن لدينا دليلًا تاريخيًا بسيطًا. البشر المعاصرون لا يختلفون عن القدماء في قدرتهم على القسوة والطمع والتعصب. ربما الذي تغير أساسًا هو الأدوات والمؤسسات والقيود. ولهذا أجد أن أعظم إنجاز محتمل للمشروع الكانطي ليس «إصلاح النفس البشرية». بل بناء مؤسسات تجعل شرورها أقل قدرة على التدمير. وهذا فرق هائل.

من الطبيعة إلى القانون: ربما هذه هي الحركة الحقيقية في الكتاب إذا أردت أن أضع للمجموعة خيطًا واحدًا، فسأقول: إنها تحكي انتقال الإنسان من الطبيعة إلى الحق. ليس بمعنى أن الإنسان يغادر الطبيعة بيولوجيًا. بل بمعنى أن الصراع الطبيعي بين الإرادات ينبغي أن يتحول تدريجيًا إلى علاقات منظمة قانونيًا. بين الفرد والفرد. ثم بين المواطن والدولة. ثم بين الدول. وفي النهاية يظهر أفق المواطنة الكونية. هذه ليست مدينة فاضلة. إنها محاولة دائمة لتحويل القوة إلى حق. وكلما انهار الحق عدنا إلى القوة. ولهذا لا يصبح التقدم حالة نصل إليها ونرتاح. إنه عمل مؤسسي قابل للانهيار دائمًا.

لماذا يستحق هذا الكتاب القراءة اليوم؟ لأنه لا يقدم فلسفة للتاريخ بوصفها حكاية جميلة عن أن البشرية تتحسن. بل يضعنا أمام مأزق لا يزال قائمًا: نحن كائنات حرة، لكن حريتنا تصطدم بحرية الآخرين. نحتاج إلى المجتمع ونقاومه. نبني الحضارة بدوافع ليست حضارية دائمًا. نؤسس القوانين ثم نحاول الالتفاف عليها. نتحدث عن السلام بينما نستعد للحرب. نعلن حقوق الإنسان ثم نختلف في لحظة الأزمة حول من يستحقها. ليس هناك شيء قديم جدًا في هذه الأسئلة.

ما الذي تعلمته من هذا «الكانط الآخر»؟ تعلمت أولًا أن مشروع كانط أوسع من سؤال المعرفة. فالحدود التي وضعها للعقل النظري لا تقوده إلى الصمت. بل تقوده إلى السؤال: ماذا نفعل بعدما عرفنا الحدود؟ في الأخلاق تظهر الحرية. وفي الدين يظهر الرجاء. وفي السياسة يظهر الحق. وفي فلسفة التاريخ يظهر المستقبل بوصفه أفقًا للعمل، لا بوصفه شيئًا نعرفه مسبقًا. وهذه النقطة مهمة جدًا لي. فالنقد عند كانط ليس آلة للهدم. إنه يزيل الادعاءات الزائدة لكي يترك مكانًا لما يمكن الدفاع عنه.

لا أعرف أن التاريخ سيتقدم ولعل هذا هو الموضع الذي ألتقي فيه مع كانط أكثر. أنا لا أستطيع أن أقول إن التاريخ يتقدم حتمًا. ولا أعتقد أن لدينا حقًا معرفيًا في ذلك. لكن غياب اليقين لا ينتج تلقائيًا العدمية. هذه إحدى أكبر الخدع المنطقية: إما أن أعرف أن الخير سينتصر، أو لا معنى للعمل من أجله. لماذا؟ يمكن أن يكون المستقبل مفتوحًا بالضبط لأنه غير مضمون. ويمكن أن تكون المسؤولية ممكنة فقط لأن التاريخ لم يُكتب بعد. لو كان التقدم حتميًا، فما حاجتنا أصلًا إلى الأخلاق؟ ولو كان السلام ضرورة تاريخية، فما معنى أن نعمل من أجله؟ ربما تكمن قيمة الأمل تحديدًا في أنه ليس معرفة. خاتمة: عقلانية الفوضى ومسؤولية الأمل ربما يكون السؤال الخطأ الذي نطرحه على كانط هو: هل أثبت أن التاريخ يتقدم؟ لم يثبت ذلك. ولا أظن أنه كان يستطيع — إذا ظل وفيًا لنقده — أن يثبت أن وراء الحروب والثورات والانهيارات خطة يستطيع العقل قراءتها كما يقرأ قانونًا في الطبيعة. لكن هذا ليس فشلًا. بل ربما هنا تحديدًا تكمن قوة مشروعه. فهو لا يقول لنا: التاريخ سينقذكم. ولا يقول: العقل يضمن النهاية السعيدة. ولا يستطيع أن يعدنا بأن كل مأساة ستنكشف لاحقًا بوصفها حلقة ضرورية في قصة كونية كبرى. بدلًا من ذلك يتركنا في موضع أصعب: عليك أن تعمل من أجل عالم أكثر عقلانية من دون أن تملك ضمانًا بأنه سيأتي. ومن هنا أفهم العلاقة بين «نقد العقل المحض» و«نحو السلام الدائم». السؤال واحد، وإن تغير المجال: ما الذي يحق لنا أن نعرفه؟ وما الذي لا يحق لنا أن نزعم معرفته؟ ثم: ماذا نفعل بعد ذلك؟ في المعرفة يقول كانط: لا تتجاوز حدود الخبرة. وفي التاريخ يمكن أن نعيد صياغة الموقف: لا تحوّل الأمل إلى نبوءة. ولا تحوّل النبوءة إلى ضرورة. ولا تحوّل الضرورة إلى مبرر لضحايا التاريخ. لكن لا تجعل غياب اليقين حجة للتخلي عن العمل. وهنا يصبح الأمل الكانطي غريبًا وجميلًا في الوقت نفسه. إنه ليس تفاؤلًا. ولا وعدًا. ولا معرفة بالمستقبل. إنه مسؤولية تجاه مستقبل لا نملكه. وربما كان السؤال الأخير الذي تتركه لنا هذه المجموعة ليس: هل يسير التاريخ نحو الأفضل؟ بل: هل نستطيع أن نبني الأفضل من دون أن نزعم أننا نعرف أن التاريخ سيصل إليه؟ وبين هذين السؤالين تقع مسافة فلسفية هائلة. إنها المسافة بين كانط وهيغل. وبين النقد وفلسفة الضرورة. وبين الرجاء والمعرفة. وبين أن نبحث عن معنى داخل التاريخ، وأن نزعم أننا امتلكنا سره. وهنا، بالنسبة لي، يبقى كانط أكثر إثارة: لا لأنه أخبرني إلى أين يسير التاريخ، بل لأنه علّمني أن أسأل أولًا: بأي حق تزعم أنك تعرف؟ يمكن أن يكون هذا المقال الفصل التعريفي الأول عن الكتاب؛ وبعده يصلح فصل مستقل بعنوان «من كانط إلى هيغل: متى تحوّل الأمل في التاريخ إلى منطق للتاريخ؟»، لأن هذه بالضبط هي العقدة التي يفتحها هذا الكتاب ولا يغلقها.

.

تعليقات

المشاركات الشائعة