مدخل: سؤال كانط في حضرة الفلسفة الإسلامية
دخلتُ إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي وفي يدي سؤال كانطي صارم: ما الذي يحق للعقل أن يقوله، وما الذي يتوهم أنه يعرفه؟
كنت أظن أن المهمة ستكون سهلة: نضع كل حديث عن المقدس والخلود والظمأ الأنطولوجي أمام محكمة العقل، فما عجز عن تقديم برهان معرفي سقط، وما تجاوز حدود التجربة أُعيد إلى مكانه بوصفه إيمانًا شخصيًا لا معرفة موضوعية.
لكن القراءة المتأنية غيّرت طبيعة السؤال. لم يعد الأمر: هل الرفاعي كانطي أم غير كانطي؟ فهو ليس كانطيًا، ولا يزعم أنه كذلك. ولم يعد السؤال: هل يمكن إثبات مشروعه كله بوسائل العقل النظري؟ من الواضح أنه لا يمكن ذلك. أصبح السؤال الأكثر عدلًا:
هل مشروع الرفاعي مشروعٌ مقبول ومثمر داخل الفلسفة الإسلامية، حتى مع بقائه محل تحفظ من منظور الفلسفة النقدية؟
وجوابي الآن: نعم، هو مشروع مقبول داخل الفلسفة الإسلامية، بل أراه من المشروعات التي تعمل لمصلحتها وتجدد قدرتها على مخاطبة الإنسان المعاصر. لكن قبولي ليس تسليمًا، وموافقتي ليست تنازلًا عن النقد.
أنا مع الرفاعي عندما يحاول إنقاذ الفلسفة الدينية الإسلامية من الجمود، لا عندما تتحول عباراته الوجودية إلى حقائق ميتافيزيقية غير مبرهنة. وأنا معه عندما يعيد الاعتبار إلى الحرية والكرامة والمعنى، لا عندما تصبح الحاجة إلى المقدس دليلًا كافيًا على طبيعة المقدس. وأنا أقف في صف مشروعه الإصلاحي، لكنني أذكّره، وأذكّر نفسي، بأن صدق الإيمان لا يمنحه تلقائيًا صفة المعرفة.
أولًا: الفلسفة الإسلامية ليست وليدة الفراغ
الفلسفة الإسلامية لم تبدأ يومًا من فراغ محايد. الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وصدر الدين الشيرازي لم يقفوا خارج أفق الإسلام ثم دخلوا إليه بعد أن أثبتوه من نقطة صفر مطلقة. كانوا يفكرون داخل عالم لغوي وروحي وعقدي معين، مثلما فكر فلاسفة مسيحيون داخل أفق المسيحية، وفكر غيرهم داخل تصوراتهم عن الإنسان والعالم.
لا توجد فلسفة بلا مقدمات. حتى الفلسفة التي تزعم أنها تبدأ من الشك الخالص تدخل إلى التفكير محملة بتصور سابق عن العقل والدليل والحقيقة. والسؤال ليس: هل لدى الرفاعي مقدمات إيمانية؟ نعم، لديه. السؤال هو: هل يحولها إلى سلاح لإغلاق التفكير، أم يجعلها منطلقًا لإعادة التفكير؟
هنا تظهر قيمة مشروعه.
ثانيًا: علم الكلام الجديد.. مشروع تجديدي لا شكلي
الرفاعي لا يطالبنا بالعودة إلى علم الكلام القديم كما هو، ولا يرى أن تغيير المصطلحات يكفي لتأسيس علم كلام جديد. عنوان دراسته واضح: علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي، ولذلك يربط التجديد بإعادة التفكير في الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، ويميز بين علم الكلام وفلسفة الدين.
هذا التحول ليس شكليًا. فعلم الكلام القديم كان يسأل غالبًا: كيف ندافع عن العقيدة الموروثة ونرد اعتراضات الخصوم؟ أما علم الكلام الجديد الذي يريده الرفاعي فيسأل: كيف نفهم الوحي اليوم؟ وكيف يمكن للدين أن يخاطب إنسانًا تغيرت معارفه وصورته عن ذاته والعالم؟
لا يعني هذا أن كل جواب يقدمه الرفاعي صحيح. لكنه يعني أنه أدرك أن المشكلة ليست نقص الأدلة القديمة فقط، بل تغير الأسئلة التي يطرحها الإنسان. لا يمكن أن يعيش العقل في القرن الحادي والعشرين بينما يظل اللاهوت مسجونًا في معارك القرون الأولى. ولا يمكن إعادة إنتاج المقولات نفسها، باللغة نفسها أو بلغة حديثة مزخرفة، ثم إعلان ولادة علم كلام جديد.
من هنا أراه يعمل لمصلحة الفلسفة الإسلامية؛ لأنه يوقظها من وهم الاكتفاء. إنه يقول لها، من داخلها: لم يعد كافيًا أن تكرري ما قاله السابقون، ولم يعد سلطان الماضي دليلًا على صلاحية كل أجوبته للحاضر.
ثالثًا: الإنسان مركزًا.. إيمان الحرية مقابل اعتقاد الاستعباد
لكن الرفاعي لا يريد تجديد علم الكلام من أجل الانتصار الفكري وحده. مركز مشروعه ليس العقيدة المجردة، بل الإنسان. إنه لا يسأل فقط: كيف نحمي صورة الله؟ بل يسأل أيضًا: ماذا فعلت صورة الله بالإنسان؟ هل حررته أم أخافته؟ هل صانت كرامته أم حولته إلى تابع؟ هل جعلت الإيمان منبع أمن، أم صنعت اعتقادًا مغلقًا يقوم على الرعب والطاعة؟
لذلك يميز بين الإيمان والاعتقاد، وبين إيمان الحرية واعتقاد الاستعباد، ثم يصل ذلك بالاغتراب الميتافيزيقي والتجربة الدينية والظمأ إلى المقدس، وبالتمييز بين دين الأنطولوجيا ودين الأيديولوجيا.
هذه التمييزات ليست مجرد بلاغة. إنها محاولة لتغيير مركز الثقل في التفكير الديني. فالإنسان قد يحفظ العقائد كلها، ويدافع عنها بعنف، ويخاصم الناس بسببها، من دون أن يعيش إيمانًا يمنحه الأمن أو الرحمة. وقد يكثر الكلام عن الله حتى يغيب الله خلف الكلام.
الاعتقاد المغلق يحتاج إلى حراسة دائمة؛ لأنه يعيش بالخوف من السؤال. أما الإيمان الحي فلا يخشى السؤال، لأن السؤال لا يهدمه بل يطهره مما تراكم حوله من أوهام.
هنا ألتقي مع الرفاعي بلا تردد: الإيمان الذي لا يمر عبر الحرية لا يستحق اسم الإيمان.
قد ينتج الإكراه امتثالًا ظاهريًا، لكنه لا ينتج تصديقًا باطنيًا. وقد تصنع المؤسسة متدينًا مطيعًا، لكنها لا تستطيع أن تخلق قلبًا مؤمنًا بأمر إداري. فالإيمان، ما دام متعلقًا بالضمير، لا يمكن فصله عن الحرية.
وهذه الفكرة ليست غريبة عن كانط. التكليف من دون حرية يفقد معناه؛ لأن الإنسان لا يكون مسؤولًا أخلاقيًا إلا إذا أمكن نسبة الفعل إليه بوصفه اختيارًا. لكن الرفاعي يضيف إلى الحرية الكانطية بُعدًا وجوديًا: الإيمان ليس مجرد قرار أخلاقي، بل حالة أمن وثقة وانفتاح على المقدس.
رابعًا: التجربة والإيمان.. بين صدق الشعور وصحة الحكم
لا أحتاج إلى رفض هذه الإضافة لمجرد أنها ليست كانطية. يكفيني أن أمنعها من التحول إلى برهان معرفي يتجاوز حدودها.
يمكن للإنسان أن يعيش الإيمان بوصفه حبًا وثقة وسكينة، وهذه تجربة حقيقية بالنسبة إليه. لكن حقيقة التجربة لا تعني أن تفسيره لكل ما حدث فيها أصبح حقيقة عامة ملزمة للناس. صدق الشعور شيء، وصحة الحكم عليه شيء آخر.
هذه العبارة هي الحد الذي أضعه بين موافقتي وتحفظي.
أنا لا أقول للمؤمن: ما شعرتَ به وهم. لا أملك حق اختزال تجربته بهذه السهولة. لكنني أقول له: لا تجعل عمق شعورك برهانًا نهائيًا على طبيعة الوجود. لا توجد تجربة تمنح صاحبها صكًا معرفيًا مطلقًا. وما كان يقينًا خاصًا في وعيك لا يصبح بمجرد قوته قانونًا عامًا يجب أن يخضع له كل عقل.
هذه ليست خصومة مع الدين، بل حماية للدين من ادعاء لا يحتاج إليه. الإيمان لا يفقد قيمته لأنه ليس علمًا تجريبيًا، لكنه يتعرض للوهم عندما يحاول ارتداء لباس العلم أو المعرفة المطلقة.
خامسًا: كانط ليس مطرقة لهدم الفلسفة الإسلامية
ومع ذلك، لا ينبغي استخدام كانط مطرقة لتحطيم كل فلسفة إسلامية لا تلتزم حدوده. فالفلسفة الإسلامية لها تاريخها وأسئلتها ومفاهيمها، وتحتوي على اتجاهات عقلية وإشراقية وعرفانية وكلامية. ومن غير الإنصاف أن نقول: كل ما لم يقبله كانط لا قيمة له. كانط معيار نقدي بالغ القوة، لكنه ليس نهاية الفلسفة ولا الحكم الوحيد على كل تقليد فكري.
أستطيع أن أقول إن قضية ما غير مثبتة كانطيًا، ثم أبحث في الوقت نفسه عن معناها داخل البناء الفلسفي الإسلامي. عدم إمكان إثباتها بوصفها معرفة نظرية لا يلغي بالضرورة وظيفتها الروحية أو الأخلاقية أو التأويلية.
من هنا أقبل حديث الرفاعي عن الظمأ الأنطولوجي بوصفه وصفًا لتجربة إنسانية واسعة، وإن كنت أتحفظ على تعميمه. هناك بشر يشعرون فعلًا بأن العالم المادي، مهما اتسع، لا يروي حاجتهم إلى المعنى. هناك من يرى في الموت جرحًا لا يلتئم بالنجاح أو المعرفة أو الثروة. وهناك من يجد في الإيمان بالمقدس جوابًا يعيد ترتيب حياته.
كل هذا مفهوم ومشروع.
لكنني أتوقف حين تصبح العبارة: «الإنسان يحتاج إلى المقدس» مساوية لعبارة: «المقدس موجود بالكيفية التي يتصورها بها الإنسان». الظمأ يصف حال الظامئ، لكنه لا يعطينا وحده وصفًا للماء. والحاجة إلى الخلود لا تثبت الخلود، مثلما أن الخوف من العدم لا يثبت استحالة العدم.
يمكن للإيمان أن يبدأ حيث تتوقف المعرفة، لكن لا يجوز له أن يدّعي أنه أكمل المعرفة بالطريقة نفسها.
هذا التحفظ لا يهدم مشروع الرفاعي؛ بل يحدد موقعه. مشروعه أقوى عندما يُقرأ بوصفه فلسفة إسلامية إنسانية وتأويلية، وأضعف عندما تُقرأ استعاراته الوجودية بوصفها براهين أنطولوجية.
سادسًا: دين الأنطولوجيا ضد دين الأيديولوجيا
أقف معه أيضًا في نقده لتحول الدين إلى أيديولوجيا. فالدين حين يتحول إلى هوية قتالية يفقد قدرته على إصلاح الإنسان، ويصبح محتاجًا إلى عدو دائم يثبت من خلاله نقاءه. وحين يصبح الإيمان أداة للسيطرة، لا يعود السؤال: هل الإنسان صادق وعادل ورحيم؟ بل يصبح: هل هو منا أم من غيرنا؟
عندئذ لا تقاس قيمة الإنسان بما يفعل، بل باللافتة التي يحملها. وقد يكون ظالمًا، لكنه مقبول لأنه من الجماعة؛ وقد يكون عادلًا، لكنه مرفوض لأنه خارجها.
هذا الانقلاب هو ما يحاول الرفاعي مقاومته بتقديم دين الأنطولوجيا في مواجهة دين الأيديولوجيا. الدين الأول يخاطب أعماق الإنسان وحاجته إلى المعنى، أما الثاني فيستخدم المقدس لبناء سلطة مغلقة.
وقد يعترض معترض بأن هذا الفصل مثالي؛ فالدين التاريخي لم يكن يومًا تجربة فردية نقية منفصلة عن الجماعة والتشريع والسياسة. وهذا اعتراض صحيح جزئيًا. لا يوجد دين واقعي بلا مؤسسات ونصوص وسلطات ومصالح. لذلك لا يمكننا ببساطة استخراج الجانب الروحي وتسميته «الدين الحقيقي»، ثم إلقاء بقية التاريخ تحت عنوان الأيديولوجيا.
لكنني أفهم الرفاعي هنا بوصفه يقدم معيارًا لا وصفًا تاريخيًا خالصًا. إنه لا يقول إن الدين كان دائمًا رحمة وحرية، بل يقول إن هذا ما ينبغي أن يصير إليه الدين إن أراد أن يحمي الإنسان بدل أن يلتهمه.
هذا اختيار معياري، وأنا أوافق عليه، بشرط أن نسميه باسمه: إنه إعادة بناء للدين في ضوء الكرامة والحرية، لا مجرد اكتشاف بريء لجوهر كان واضحًا دائمًا.
الرفاعي ينتقي من التراث ما يستطيع أن يبني به دينًا إنسانيًا، ويعيد تأويل ما لا ينسجم مع هذا البناء. لا أرى في ذلك عيبًا. كل قراءة كبيرة للتراث تفعل شيئًا من هذا القبيل. لكن العيب يبدأ عندما يتنكر الاختيار في صورة حقيقة وحيدة، أو حين يزعم التأويل الجديد أنه لا يؤول بل يستعيد المعنى الخالص كما كان.
لا يوجد وصول إلى النص بلا قارئ، ولا فهم بلا تاريخ. لذلك فإن مشروع الرفاعي أحد تأويلات الإسلام الممكنة، وليس الإسلام ذاته متجسدًا في صيغة نهائية.
وهو تأويل أفضله، أخلاقيًا وإنسانيًا، على تأويلات تجعل الإنسان وقودًا للمذهب.
سابعًا: الأخلاق معيارًا.. الفقه لا يختصر الدين
أقف معه كذلك حين يجعل القيم معيارًا لنقد البنية الكلامية والفقهية. فدراسته في الأخلاق لا تتوقف عند الموعظة، بل تربط بين المصير الإنساني المشترك والحاجة إلى القيم، وتناقش التكفير واستحواذ الفقه على الدين والتطبيق الميكانيكي لقواعد الاستنباط وتحويل القيم إلى فتاوى.
هذه نقطة مركزية؛ لأن الفقه حين يستولي على الدين كله يحول الحياة الأخلاقية إلى قائمة أحكام. عندئذ يصبح الإنسان منشغلًا بالسؤال: ما الحكم؟ قبل أن يسأل: هل هذا عادل؟ هل يصون الكرامة؟ هل يخفف الألم؟ هل يعامل الآخر بوصفه إنسانًا؟
الفتوى قد تحدد صورة الفعل، لكنها لا تضمن وحدها وجود الضمير. وقد يحفظ الإنسان الأحكام الدقيقة بينما يظل قاسيًا، متكبرًا، فاقدًا للرحمة. لا تستطيع القاعدة القانونية أن تنوب عن التكوين الأخلاقي كله.
وهنا يقترب الرفاعي من الفلسفة الأخلاقية الحديثة، وربما من كانط، من حيث جعل الإنسان غاية لا مجرد موضوع للتوجيه والسيطرة. لكن الفرق يبقى قائمًا: كانط يؤسس الكرامة في استقلال الذات العاقلة، بينما يربطها الرفاعي أيضًا بمكانة الإنسان داخل الرؤية الدينية.
لا أرى ضرورة لاختيار أحد الطريقين وإلغاء الآخر. يمكن للفلسفة الإسلامية أن تستفيد من استقلال التأسيس الأخلاقي عند كانط، وأن تمنح هذا التأسيس في الوقت نفسه معنى دينيًا داخل أفقها الخاص.
لكن يجب أن يكون الترتيب واضحًا: لا يصبح الظلم عدلًا لأن تأويلًا دينيًا أقره، ولا تسقط كرامة الإنسان لأن سلطة فقهية صنفته خارج جماعتها. إذا تعارض التأويل مع الكرامة، فالتأويل هو الذي يحتاج إلى المراجعة.
هذه هي النقطة التي أجد فيها الرفاعي حليفًا حقيقيًا للفلسفة الإسلامية: إنه لا يدافع عنها بإبقائها كما هي، بل بمحاولة تحريرها من العناصر التي تمنعها من رؤية الإنسان.
ثامنًا: المراجعة ليست خيانة
الفلسفة التي لا تستطيع مراجعة نفسها تتحول إلى أرشيف. والدين الذي لا يطيق السؤال يتحول إلى نظام خوف. أما التراث الذي لا يسمح لأبنائه إلا بالتكرار، فهو لا يطلب منهم الوفاء بل إلغاء عقولهم.
لا تعني المراجعة كراهية التراث، بل قد تكون أشد صور الوفاء له. فالتراث الحي لا يبقى حيًا لأنه محفوظ في الكتب، بل لأنه قادر على الدخول في أسئلة جديدة وتوليد إجابات لم يعرفها السابقون.
تاسعًا: التعددية.. بين الميتافيزيقا والأخلاق
وفي قضية التعددية، أرى أن الرفاعي يتقدم خطوة شجاعة داخل الفكر الإسلامي. فهو ينتقد الرؤية التي تحتكر الحقيقة والنجاة وتمثيل الله، ويرى أنها أغلقت المجال أمام الاعتراف بالتنوع والحق في الاختلاف. ثم يستعين برؤية صوفية تجعل التنوع البشري انعكاسًا لتنوع الأسماء والتجليات الإلهية.
أتفق معه في النتيجة الأخلاقية: لا يحق لأحد أن يحتكر الله أو أن يهدر كرامة المختلف بدعوى امتلاك الحقيقة.
لكنني أتحفظ على جعل التعددية الأخلاقية متوقفة على ميتافيزيقا التجليات. احترام الآخر لا يحتاج إلى أن أثبت أنه مظهر لاسم إلهي. يكفي أنه إنسان. وإذا ربطنا حقه بنظرية صوفية، فقد نحترمه ما دمنا نقبل تلك النظرية، ثم نفقد الأساس حين نرفضها.
الأساس الأقوى هو الحرية والكرامة. أما التصوف فيستطيع أن يضيف إلى هذا الأساس معنى روحيًا جميلًا، لكنه لا ينبغي أن يكون شرطه الوحيد.
خاتمة: موقفي الأخير ليس مصالحة رخوة
وهكذا أعود إلى موقفي الأساسي: أنا مع الرفاعي من داخل الفلسفة الإسلامية، لكنني لا أذوب في مشروعه.
أوافقه في أن الدين يحتاج إلى فهم جديد، وفي أن الإيمان لا يعيش بلا حرية، وفي أن الفقه لا يختصر الدين، وفي أن التكفير علامة أزمة لا علامة قوة، وفي أن الإنسان يجب أن يعود إلى مركز التفكير الديني، وفي أن احتكار النجاة يفسد علاقة المؤمن بالله والآخر.
وأتحفظ حين يتحول الظمأ إلى دليل، والتجربة إلى معرفة، والرجاء إلى خبر عن طبيعة العالم الآخر، والتأويل الإنساني المختار إلى تعريف نهائي لجوهر الدين.
ليس المطلوب أن نختار بين الرفاعي وكانط كما لو كانا خصمين في معركة واحدة. يمكن أن نأخذ من الرفاعي شجاعته في إصلاح الفكر الديني من داخله، ونأخذ من كانط صرامته في منع العقل من تحويل حاجاته إلى حقائق.
الرفاعي يذكرنا بأن الإنسان لا يعيش بالبرهان وحده، وكانط يذكرنا بأن المعنى لا يتحول لمجرد حاجتنا إليه إلى معرفة.
الرفاعي يحمي حرارة الإيمان، وكانط يحرس حدوده.
الرفاعي يسأل: كيف ينقذ الدين الإنسان من الاغتراب؟ وكانط يسأل: كيف نحمي العقل من أن يصنع يقينًا مما يتمنى؟
وأرى أن الفلسفة الإسلامية تحتاج إلى السؤالين معًا.
إنها تحتاج إلى روح الرفاعي كي لا تتحول إلى بناء بارد لا يعرف ألم الإنسان، وتحتاج إلى سكين كانط كي لا يتحول الألم إلى برهان، ولا الحنين إلى معرفة، ولا التجربة الخاصة إلى سلطة عامة.
لهذا لا أقرأ الرفاعي لأهدمه، ولا أقرأه لأتبعه. أقرأه بوصفه مفكرًا يفتح للفلسفة الإسلامية بابًا ضروريًا نحو الإنسان، وأدخل من الباب وأنا أحمل معي حقي في السؤال.
أقف معه حين يعيد للدين معناه، وأفارقه حين يتجاوز المعنى إلى معرفة لا يملك برهانها.
أقف معه دفاعًا عن الفلسفة الإسلامية، لا دفاعًا عن كل ما قيل باسمها. فالفلسفة الإسلامية لا تقوى بإغلاق أبواب النقد، بل بقدرتها على استيعابه، ومراجعة نفسها، والتمييز بين إيمان يحرر الإنسان واعتقاد يستعبده.
وموقفي الأخير ليس مصالحة رخوة، بل اتفاق مشروط:
أقبل مشروع عبد الجبار الرفاعي بوصفه إعادة بناء إنسانية وروحية وأخلاقية للفكر الديني الإسلامي، وأراه مشروعًا نافعًا للفلسفة الإسلامية المعاصرة. لكنني أرفض تحويل تجربته الوجودية إلى ميتافيزيقا ملزمة، وأبقي الفرق قائمًا بين حق الإنسان في الإيمان وحقه في الادعاء بأنه يعرف.
فالإيمان يستطيع أن يمنح الحياة معنى، لكنه لا يحتاج إلى الادعاء بأنه أحاط بسر الوجود.
والفلسفة تستطيع أن تصون الإيمان، لا بأن تمنحه حصانة من النقد، بل بأن تمنعه من السقوط في الوهم الذي يبدأ حين ينسى الإنسان حدود ما يعرف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق