أيُّ فتغنشتاين نقرأ؟ عرض كتاب



أيُّ فتغنشتاين نقرأ؟


كتاب يرسم خريطة الصراع على أحد أكثر فلاسفة القرن العشرين استعصاءً

هناك مفارقة غريبة تحيط بلودفيغ فتغنشتاين. فنحن لا نعاني نقصًا في نصوصه كما نعاني، مثلًا، مع سقراط الذي لا نعرفه إلا عبر أفلاطون وشهادات متناثرة. على العكس تمامًا: ترك فتغنشتاين وراءه كمًّا هائلًا من المخطوطات والملاحظات، ونُشرت بعد موته أعمال كثيرة، من «التحقيقات الفلسفية» إلى «الكتابين الأزرق والبني» و**«في اليقين»** وملاحظاته في فلسفة الرياضيات وعلم النفس والثقافة، ثم أصبح إرثه المخطوط، الـNachlass، متاحًا للباحثين.


كان المتوقع، منطقيًا، أن تؤدي هذه الوفرة إلى صورة أكثر وضوحًا للرجل وفلسفته.


لكن الذي حدث هو العكس.


كلما ازدادت النصوص، ازداد عدد «فتغنشتاينات» الذين ظهروا أمامنا.


وهذه هي المفارقة التي ينطلق منها كتاب Wittgenstein and His Interpreters: Essays in Memory of Gordon Baker، الصادر عن Blackwell عام 2007، بتحرير Guy Kahane وEdward Kanterian وOskari Kuusela. الكتاب يضم دراسات لعدد من أبرز الباحثين في فتغنشتاين، من بينهم P. M. S. Hacker وHilary Putnam وRay Monk وHans-Johann Glock وA. W. Moore وAlice Crary وMarie McGinn وDavid Stern وغيرهم، وقد أُعد تكريمًا لذكرى أحد أهم مفسري فتغنشتاين، Gordon Baker.


ليس السؤال المركزي في هذا الكتاب: ماذا قال فتغنشتاين؟


بل السؤال الأصعب:


كيف ينبغي أصلًا أن نقرأ فتغنشتاين؟


وهنا يتحول الكتاب من مجموعة دراسات في فيلسوف واحد إلى درس أوسع في معنى التأويل الفلسفي نفسه.


---


فيلسوف واحد أم عدة فلاسفة؟


يبدأ محررو الكتاب بملاحظة لافتة: آلاف الكتب والمقالات كُتبت عن فتغنشتاين، ومع ذلك لم تنتج صورة موحدة لفكره، بل «سلسلة من الصور المتنافسة والمتناقضة أحيانًا بصورة حادة». ولا تزال القراءات الجديدة تظهر وهي تعلن، صراحة أو ضمنًا، أن الذين سبقوها أخطأوا في فهم الرجل من الأساس.


ليس الخلاف حول مسألة هامشية. إنه يصل إلى السؤال الأشد بداهة:


ما الذي كان فتغنشتاين يفعله عندما كان يتفلسف؟


هل كان يبني حججًا؟


هل كان يقدم نظريات عن اللغة والعقل؟


هل كان يصف قواعد استعمال الكلمات؟


هل كان يحطم الميتافيزيقا؟


أم أن كل هذه الصياغات تسيء فهمه، لأنه كان يريد تخليصنا من الحاجة إلى بناء النظريات الفلسفية أصلًا؟


من هنا يمكن فهم عنوان الكتاب. إنه ليس «فتغنشتاين»، بل فتغنشتاين ومفسروه. فالمفسر هنا ليس مجرد شارح يقف خارج النص؛ إنه شريك في صناعة الصورة التي نطلق عليها اسم «فتغنشتاين».


والمحررون لا يزعمون أنهم سيقدمون الصورة النهائية الصحيحة. هدفهم أقرب إلى ما كان فتغنشتاين نفسه يسميه Übersicht: نظرة شاملة أو عرضًا يسمح لنا بأن نرى العلاقات والتضاريس والخلافات في مشهد التأويل.


وهذه، في تقديري، أول فضائل الكتاب: إنه لا يخفي الخلاف تحت اسم «فتغنشتاين».


---


فتغنشتاين التقليدي: الفيلسوف الذي لديه ما يقوله


سيطر على الدراسات الفتغنشتاينية، خصوصًا من السبعينيات إلى التسعينيات، اتجاه أطلق خصومه عليه لاحقًا اسم القراءة «الأرثوذكسية». ارتبط هذا الاتجاه خصوصًا بالمشروع الضخم الذي أنجزه Gordon Baker وP. M. S. Hacker في تفسير «التحقيقات الفلسفية»، مع جذور تمتد إلى Anscombe وMalcolm وKenny وBlack وغيرهم.


وفق هذه القراءة، لدينا بالفعل فلسفة يمكن تحليلها وإعادة بناء حججها.


في «التراكتاتوس» حاول فتغنشتاين المبكر، وفق هذا التصور، فهم العلاقة بين اللغة والعالم، وطرح ما اشتهر باسم نظرية الصورة: القضية تمثل حالة ممكنة في العالم، واللغة ترتبط بالواقع من خلال بنية منطقية تسمح لها بالتصوير.


ثم يأتي فتغنشتاين المتأخر في «التحقيقات الفلسفية» لينقلب على كثير من هذا المشروع.


لم تعد وظيفة الفلسفة البحث عن البنية الخفية للعالم، ولم يعد تحليل اللغة طريقًا إلى اكتشاف ميتافيزيقا كامنة خلف الواقع. الخطأ الفلسفي يحدث، في كثير من الأحيان، حين نأخذ شيئًا ينتمي إلى قواعد تمثيلنا اللغوي ونتوهم أنه خاصية في الأشياء ذاتها. وما حسبه الفلاسفة حقائق ميتافيزيقية قد يكون، بتعبير يورده الكتاب عن Baker وHacker، مجرد «ظلال تلقيها القواعد اللغوية».


هنا تظهر العبارة الفتغنشتاينية الشهيرة: إعادة الكلمات من استعمالها الميتافيزيقي إلى استعمالها اليومي.


بهذا المعنى تصبح الفلسفة عملية توضيح: كيف نستخدم «المعرفة»، «الفهم»، «القاعدة»، «الألم»، «الفكر»، «الداخل»، «الخارج»؟


ولا نصل في النهاية إلى نظرية جديدة عن العالم، بل نزيل التباسًا كان يدفعنا إلى طرح مشكلة زائفة.


غير أن القراءة التقليدية، رغم اعترافها بالطابع العلاجي لفلسفة فتغنشتاين، ما تزال تقول إن هناك حججًا وتحليلات ونتائج يمكن استخراجها من نصوصه.


وهنا يبدأ النزاع الحقيقي.


---


ماذا لو لم يكن «التراكتاتوس» كتاب نظريات أصلًا؟


منذ الثمانينيات ظهر اتجاه ارتبط خصوصًا بـCora Diamond وJames Conant، ثم عُرف لاحقًا باسم القراءة الجديدة أو القراءة الحازمة Resolute Reading لـ«التراكتاتوس».


المشكلة التي انطلق منها هذا الاتجاه بسيطة ومدمرة في الوقت نفسه.


يقول فتغنشتاين في نهاية «التراكتاتوس» إن من يفهمه سيدرك أن قضاياه في النهاية لامعنى، ثم يشبهها بالسلم الذي يجب التخلص منه بعد الصعود عليه.


كيف نفسر هذا؟


تقول القراءة التقليدية تقريبًا: هناك حقائق عن العالم واللغة لا يمكن قولها، لكنها يمكن أن تُظهر نفسها.


لكن Diamond وConant يشكان في هذا الحل. فإذا قلنا إن خلف الكلام الذي أعلن فتغنشتاين أنه لامعنى توجد مجموعة من الحقائق العميقة غير القابلة للقول، فنحن في الحقيقة نعيد تهريب الميتافيزيقا من الباب الخلفي.


أما القراءة الحازمة فتقول شيئًا أكثر قسوة:


اللامعنى لامعنى.


ليس هناك «لامعنى عميق» يخفي وراءه عقيدة ميتافيزيقية سرية.


وظيفة الكتاب، وفق هذا الاتجاه، أن يأخذ القارئ في رحلة فلسفية حتى يرى بنفسه كيف تنهار بعض الرغبات الميتافيزيقية التي بدت له في البداية ذات معنى. الفلسفة هنا ليست نقل معلومات، بل تغيير علاقة القارئ بالمشكلة.


وهذا يقرب طريقة «التراكتاتوس»، كما تشير المقدمة، من الأسلوب غير المباشر عند كيركغارد أكثر مما يقربها من كتاب فلسفي تقليدي عند أرسطو أو كانط.


وفجأة يتغير السؤال كله.


بدل أن نسأل: «ما النظرية التي يثبتها فتغنشتاين؟»


نسأل:


ماذا يفعل النص بالقارئ؟


---


الفلسفة بوصفها علاجًا


يصبح الأمر أكثر جذرية حين نصل إلى فتغنشتاين المتأخر.


ظهرت قراءات ترى أن «التحقيقات الفلسفية» لا تحاول أن تستبدل نظرية خاطئة بنظرية صحيحة. فتغنشتاين، وفق هذا الفهم، لا يقف أمام الفيلسوف ليقول له: «أنت مخطئ، وهذه حجتي».


بل يحاول أن يكشف له الصورة التي أسرته.


نحن لا نعاني دائمًا نقصًا في المعلومات. أحيانًا نكون أسرى تشبيه، أو صورة، أو طريقة في النظر. ونعيد صياغة المشكلة مئة مرة لأننا لم نكتشف بعد الإطار الذي جعلها تبدو حتمية.


لهذا تستعمل القراءة العلاجية مفردات قريبة من الطب النفسي: القلق الفلسفي، التشنج الفكري، الأسر، التحرر، العلاج.


وكان Gordon Baker، في مرحلته المتأخرة، من أبرز من دفع بهذا الاتجاه. وقد تراجع عن جوانب مهمة من القراءة التي طورها سابقًا مع Hacker، وأصبح أكثر تأكيدًا على تشبيه فتغنشتاين للفلسفة بالتحليل النفسي. المشكلة الفلسفية، في هذه القراءة، مشكلة تقع لأشخاص معينين داخل ظروف معينة، ولذلك لا يوجد بالضرورة علاج واحد يصلح للجميع.


الفيلسوف ليس طبيبًا يحمل حبة دواء كونية اسمها «الاستعمال العادي للغة».


قد تكون هناك صورة تحاصرني ولا تحاصرك.


والفلسفة الناجحة لا تقدم لي «الحقيقة» بقدر ما تجعل الصورة تفقد قبضتها عليّ.


وهنا يمكن أن نفهم لماذا يحتل Baker هذا الموقع الكبير في الكتاب. فقد كان، كما تقول المقدمة، مساهمًا أساسيًا لا في صناعة تفسير واحد، بل في تشكيل ثلاثة من الاتجاهات الكبرى المتنافسة في فهم فتغنشتاين عبر تطور مسيرته الفكرية.


قليل من المفسرين يمنحك تاريخ تطور التأويل داخل شخص واحد بهذه الصورة.


---


هل نستطيع إعادة كتابة فتغنشتاين بلغة عادية؟


هذه ربما أكثر القضايا إثارة في الكتاب.


افتح «التحقيقات الفلسفية»، وستجد شيئًا لا يشبه كتابًا فلسفيًا تقليديًا. لا فصول مرتبة تؤسس نظرية خطوة بعد خطوة، ولا سلسلة واضحة من المقدمات والنتائج. هناك أمثلة وأسئلة وحوارات واعتراضات وتشبيهات ونكات ومقاطع تبدو أحيانًا وكأنها ترد على أصوات لا نعرف أصحابها.


أما فتغنشتاين نفسه فشبّه كتابه بـألبوم من الرسومات والمشاهد المتصلة بصورة رخوة.


فهل هذا مجرد أسلوب أدبي غريب يمكن التخلص منه؟


يقسم المحررون المواقف إلى اتجاهات شديدة الدلالة.


هناك أولًا من يمكن تسميتهم الخارجيين. يرى هؤلاء، ومن أمثلتهم Strawson، أن الأسلوب خاصية شخصية للمؤلف. نستطيع أخذ أفكار فتغنشتاين وإعادة صياغتها بالطريقة الأكاديمية المعتادة من دون أن نفقد جوهرها.


ثم هناك الداخليون المعتدلون. الأسلوب عندهم مهم؛ لأنه يخدم المنهج. الحوار، والمثال، والتنقل بين المسائل، أدوات اختارها فتغنشتاين لأسباب فلسفية. لكن يمكن في النهاية إعادة بناء الحجة الكامنة خلفها. وهنا نجد Hacker وBaker في مرحلته المبكرة وآخرين.


أما الداخليون الأقوياء فيقولون شيئًا أخطر:


لا يمكن فصل الشكل عن المضمون أصلًا.


إذا أعدت كتابة فتغنشتاين في خمس قضايا مرقمة، قد لا تكون قد شرحت كتابه، بل دمرته.


فالطريقة التي ينتقل بها القارئ بين الأصوات والأسئلة والالتباسات ليست غلافًا للحجة؛ إنها جزء من العملية الفلسفية نفسها.


وهنا يصبح Stanley Cavell شخصية مركزية. فالكتاب، في قراءته، لا يحتوي ببساطة على صوت جاهل يعترض وصوت حكيم يمثل فتغنشتاين فيجيبه. الأصوات كلها جزء من حوار أوسع، والهدف ليس مجرد الإقناع، بل حمل القارئ على رؤية الأشياء بطريقة مختلفة. ولذلك فالأدبية ليست زينة يمكن قصها من النص.


السؤال لم يعد لغويًا فقط.


إنه سؤال عن طبيعة الفلسفة:


هل الحقيقة الفلسفية شيء يمكن فصله تمامًا عن طريقة الوصول إليه؟


---


«كريبكنشتاين»: حين يصبح المفسر مؤلفًا جديدًا


يقدم الكتاب مثالًا رائعًا على خطورة التأويل: قراءة Saul Kripke لملاحظات فتغنشتاين عن اتباع القاعدة.


استخرج Kripke من النص مفارقة شكية شديدة القوة تتعلق بالمعنى والقواعد: ما الذي يجعل تطبيقي الحالي لقاعدة ما استمرارًا صحيحًا لما كنت أفعله سابقًا؟ وهل توجد حقيقة تحدد ما الذي قصدته بالقاعدة في الماضي؟


أصبحت المسألة واحدة من أشهر قضايا الفلسفة التحليلية المعاصرة.


لكن كثيرًا من المتخصصين في فتغنشتاين رفضوا أن تكون هذه هي حجة فتغنشتاين أصلًا.


حتى الاسم الذي شاع لاحقًا يكشف المشكلة: Kripkenstein.


أي ذلك الكائن الفلسفي الهجين الذي وُلد عندما قرأ Kripke فتغنشتاين.


وهذا مثال مثالي على سؤال الكتاب كله:


قد تكون الحجة عظيمة.


لكن هل هي عظيمة لأن فتغنشتاين قالها، أم لأنها ولدت في عقل فيلسوف آخر أثناء قراءته؟


المحررون يلفتون هنا إلى مفارقة أوسع: كثير من الفلاسفة التحليليين يتعاملون مع كتب فتغنشتاين بوصفها مستودعًا لحجج ونظريات يمكن استخراجها ثم تقييمها بأدوات الفلسفة المعاصرة، مع أن فتغنشتاين نفسه يعلن مرارًا رفضه لفكرة الفلسفة بوصفها بناء نظريات عن العالم والعقل واللغة.


فهل نحترم قصد المؤلف؟


أم نأخذ منه حجة جيدة ونتركه وشأنه؟


هذه ليست مشكلة فتغنشتاين وحده؛ إنها مشكلة كتابة تاريخ الفلسفة كله.


---


من كانط إلى هايدغر ودريدا


ومن مزايا الكتاب أنه لا يحبس فتغنشتاين داخل القصة التقليدية للفلسفة التحليلية: Frege، Russell، Vienna Circle، Carnap، ثم فلسفة اللغة العادية.


فالمقدمة تشير إلى وجود قراءات تربطه بـكانط وكيركغارد ونيتشه وهايدغر وميرلوبونتي ودريدا، كما تشير إلى استقبال أفكاره عند Habermas وApel وLyotard وغيرهم.


وهذا أمر مهم جدًا.


لأن الصورة المدرسية الشائعة تقول إن فتغنشتاين ينتمي ببساطة إلى «الفلسفة التحليلية»، في الجهة المقابلة من هايدغر والفلسفة القارية.


لكن بمجرد الاقتراب من أسئلة الحدود، والقول واللامقول، وشروط إمكان المعنى، ونقد وهم النظر إلى العالم من خارجه، وعلاقة الأسلوب بالفعل الفلسفي، تتعقد الحدود القديمة.


ومن هنا تأتي أهمية فصل A. W. Moore عن فتغنشتاين والمثالية المتعالية. يرى Moore أن هناك معنى يمكن وفقه الحديث عن حضور للمثالية المتعالية في «التراكتاتوس»، بينما يرفض العثور عليها بوصفها موقفًا فلسفيًا في أعمال فتغنشتاين المتأخرة، وإن بقي الصراع مع إغرائها حاضرًا في النصوص.


وهذا الفصل وحده كافٍ لإظهار أن العلاقة بين كانط وفتغنشتاين أعمق من أن تختصر في سؤال بسيط من نوع: هل كان فتغنشتاين كانطيًا أم لا؟


---


الخنفساء، اللغة الخاصة، الرياضيات والأخلاق


بعد الفصول الستة الأولى التي تركز على سؤال التأويل والمنهج، ينتقل الكتاب إلى قضايا محددة: المثالية المتعالية، ميتافيزيقا «التراكتاتوس»، الأخلاق، اللغة الخاصة، فلسفة الرياضيات.


يتناول David Stern مثلًا المثال الشهير لـ**«الخنفساء في الصندوق»** في «التحقيقات الفلسفية» §293، ويقارن تاريخ تفسيره. هل يقيم فتغنشتاين حجة ضد الثنائية الديكارتية وفكرة الخبرة الداخلية الخاصة؟ أم أن هذا الوصف نفسه يحمّل المثال وظيفة نظرية أكثر مما يحتمل؟


ويبحث Ray Monk استقبال فلسفة فتغنشتاين في الرياضيات، ويشكك في القراءات التي جعلته صاحب مذهب رياضي من قبيل الشكلانية أو التقليدية أو النزعة النهائية. بحسب القراءة التي يعرضها Monk، فتغنشتاين لا يريد إنشاء نظرية رياضية بديلة؛ إنه يستهدف الصور الفلسفية التي تجعل بعض الأسئلة تبدو حتمية.


أما Alice Crary فتنتقل إلى الأخلاق، وتحاول استثمار فتغنشتاين في الدفاع عن شكل غير اختزالي من الطبيعية الأخلاقية، بحيث لا تصبح الأخلاق مجرد قطاع منفصل من الكلام، بل بعدًا يمتد في أشكال التفكير واللغة والحساسية الإنسانية.


وهذا التنوع يكشف شيئًا آخر: تأثير فتغنشتاين لا يكمن في «نظرية واحدة» انتشرت بعده، وإنما في إعادة تشكيل مجموعة من الأسئلة في اللغة والعقل والرياضيات والأخلاق والدين والمنهج الفلسفي.


---


الكتاب الذي يسبق قراءة فتغنشتاين ويتبعها


يمكن قراءة هذا الكتاب بطريقتين.


لمن لم يدخل عالم فتغنشتاين بعد، هو خريطة تحذير: لا تتخيل أن هناك «تفسيرًا معتمدًا» ستجده في أحد الكتب المدرسية ثم تنتهي المسألة.


ولمن قرأ فتغنشتاين طويلًا، الكتاب أكثر إزعاجًا وفائدة؛ لأنه يجبره على السؤال عن المسلمات التي حملها معه إلى النص.


حين تقول إن فتغنشتاين «يرفض الميتافيزيقا»، ماذا تعني؟


حين تقول إن «المعنى هو الاستعمال»، هل تنقل نظرية في المعنى، أم تحول ملاحظة علاجية إلى شعار مدرسي؟


حين تتحدث عن «حجة اللغة الخاصة»، هل توجد فعلًا حجة واحدة مستقلة يمكن استخراج مقدماتها ونتيجتها؟


وحين تقول إن «التحقيقات الفلسفية» كتاب غير منظم، هل تصف فشلًا في التأليف، أم أنك أمام شكل من الكتابة لا يمكن فصل بنائه عن غرضه الفلسفي؟


هذه الأسئلة تجعل الكتاب يتجاوز كونه دراسة في تاريخ استقبال فيلسوف بعينه.


إنه كتاب عن خطر القراءة نفسها.


---


أخطر شيء فعله فتغنشتاين


ربما كان أعمق أثر لفتغنشتاين أنه جعلنا نشك حتى في الطريقة التي اعتدنا بها ممارسة الفلسفة.


الفيلسوف عادة يطرح مشكلة، يقترح أطروحة، يقدم حججًا، يستقبل اعتراضات، ثم يدافع عن موقفه.


أما فتغنشتاين فيربك هذا النموذج.


قد يطرح السؤال لكي يريك أن السؤال نفسه هو المشكلة.


وقد يقدم تشبيهًا ثم يسحبه.


وقد يجعل شخصًا يتكلم من داخل النص ولا يخبرك فورًا إن كان هذا الصوت يمثله.


وقد يذكرك باستعمال بسيط لكلمة لا لأنه يريد بناء «نظرية الاستعمال»، بل لأنك ربما نسيت شيئًا كنت تعرفه بالفعل.


وقد تكون نهاية العلاج الفلسفي، في بعض الحالات، ألا تحصل على جواب جديد، بل أن يتوقف السؤال القديم عن تعذيبك.


لهذا ربما ليس غريبًا أن يختلف مفسرو فتغنشتاين إلى هذا الحد. فإذا كان الفيلسوف نفسه يشكك في طبيعة الأطروحة والحجة والنظرية، فحتى تفسيره سيصبح جزءًا من المشكلة التي أثارها.


---


لماذا يستحق الكتاب القراءة؟


صدر Wittgenstein and His Interpreters قبل نحو عقدين، لكنه لا يزال يقدم درسًا يصعب تجاوزه: لا وجود لفتغنشتاين محايد يقف خارج تاريخ تفسيره.


هناك فتغنشتاين Russell.


وفتغنشتاين Vienna Circle.


وفتغنشتاين Baker وHacker.


وفتغنشتاين Diamond وConant.


وفتغنشتاين Cavell.


و«Kripkenstein».


وهناك، خلف هذه الصور كلها، رجل كتب نصوصًا تقاوم باستمرار أن تتحول إلى مذهب مدرسي سهل.


لا يعني هذا أن كل التأويلات متساوية، أو أن فتغنشتاين يمكن أن يقول أي شيء نريده. العكس هو الصحيح. الكتاب مليء بالمجادلات الدقيقة حول النصوص والمخطوطات وتاريخ الصياغة والاستعمالات الألمانية والسياقات الفكرية. لكنه يذكرنا بأن الدقة النصية لا تلغي السؤال التأويلي، بل تجعله أكثر صعوبة.


ولهذا فإن السؤال الذي يتركه الكتاب معنا ليس:


من هو فتغنشتاين الحقيقي؟


بل سؤال أكثر تواضعًا وأكثر خطورة:


حين نقول «فتغنشتاين يقول…»، من الذي يتكلم فعلًا: فتغنشتاين، أم النص، أم المفسر الذي أعاد بناء النص، أم نحن الذين وجدنا فيه السؤال الذي كنا نبحث عنه؟


وهنا تكمن قوة هذا الكتاب.


إنه لا يقدم مفتاحًا سحريًا لفتغنشتاين.


بل يجعلنا أكثر حذرًا من كل من يدعي أنه عثر على ذلك المفتاح.

تعليقات

المشاركات الشائعة