من «الجوهر» إلى «الوظيفة»
كاسيرر والنسبية وإعادة بناء الفلسفة الكانطية في ضوء العلم الحديث
مقدمة: أزمة المفاهيم الكلاسيكية أمام إشراقات العلوم المتجددة
جميل أن نتأمل كيف أن الفلسفة، بروحها المتفتحة والمحبة للمعرفة، لا تستطيع أن تبقى أسيرة المقولات القديمة حين تتغير صورة العالم التي تقدمها العلوم. فالمفاهيم التي بدت في مرحلة تاريخية قادرة على تفسير الأشياء قد تتحول، مع تطور الرياضيات والفيزياء، إلى قوالب ضيقة لا تستوعب ما تكشفه المعرفة الجديدة.
لقد قامت الفلسفة التقليدية، في جانب كبير منها، على تصور الأشياء بوصفها جواهر ثابتة تحمل صفات متغيرة. فالشيء موجود أولًا بوصفه جوهرًا مستقلًا، ثم تضاف إليه الصفات والعلاقات من الخارج. ووفق هذا التصور، تكون العلاقة أمرًا ثانويًا، بينما يكون الجوهر هو الحقيقة الأساسية.
لكن تطور الرياضيات الحديثة، ثم نشوء الفيزياء الرياضية، وأخيرًا ظهور نظرية النسبية، كشف أن العلم لا يتقدم بالضرورة عبر اكتشاف جواهر خفية خلف الظواهر، بل عبر بناء منظومات من العلاقات والقوانين والدوال التي تسمح بتحديد الظواهر وربطها وقياسها.
من هنا جاءت جهود الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر، الذي لم ير في الثورة العلمية الحديثة خطرًا يهدد الفلسفة النقدية، بل فرصة لتجديدها وإظهار قدرتها على الاستمرار. فقد حاول إعادة تأسيس نظرية المعرفة، مستلهمًا الروح النقدية العميقة لإيمانويل كانط، كما يظهر في هذا الطرح التحليلي:
Stanford Encyclopedia of Philosophy: Ernst Cassirer
لم يكن سؤال كاسيرر: كيف نحمي نصوص كانط من العلم الحديث؟ بل كان سؤاله أعمق وأشجع: ما العنصر الحي في الفلسفة الكانطية الذي يستطيع أن يبقى بعد تغير الهندسة والفيزياء وصورة المكان والزمان؟
إنه لا يريد الحفاظ على كل تفصيل تاريخي ورد عند كانط، وإنما يريد الحفاظ على المبدأ النقدي الأساسي: أن المعرفة ليست صورة سلبية تنطبع في العقل، بل بناء منظم يشارك العقل في تشكيله وفق مبادئ وقوانين.
ولهذا يسعى هذا التوجه إلى توضيح كيف أعاد كاسيرر قراءة الفلسفة النقدية بروح منسجمة مع تطور العلوم، محافظًا على جوهر المشروع الكانطي، مع إعادة تفسير كثير من مفاهيمه الأساسية وفق ما تفصله هذه القراءة:
Cassirer, Substance and Function, and Einstein's Theory of Relativity (Internet Archive)
أولًا: التحول الجذري من «الجوهر» الساكن إلى «الوظيفة» الحية
في الفلسفة التقليدية كان المفهوم يشبه وعاءً ذهنيًا نجمع فيه الأشياء التي تشترك في صفات معينة. فنحن ننظر إلى مجموعة من الموجودات، ثم نستخرج منها صفة مشتركة، وبعد ذلك نضعها تحت مفهوم عام.
وفق هذا التصور، تكون الأشياء الفردية موجودة أولًا، ثم تأتي المفاهيم لتصنيفها. ويكون المفهوم نسخةً مجردة عن الصفات المشتركة بين الجواهر.
لكن كاسيرر رأى أن هذا التصور لا يفسر حقيقة المفاهيم العلمية الحديثة. فالمفهوم الرياضي، على سبيل المثال، لا ينشأ دائمًا من جمع صفات أشياء متشابهة، بل من تحديد قانون أو علاقة تسمح لنا بربط سلسلة غير محدودة من القيم والحالات.
الدالة الرياضية لا تبحث عن جوهر مشترك بين الأعداد، وإنما تحدد كيفية تغير قيمة بالنسبة إلى قيمة أخرى. لذلك فإن هويتها لا تقوم على مادة ثابتة، بل على قاعدة للعلاقة والتحول.
وهنا يظهر الفرق العميق بين مفهوم الجوهر ومفهوم الوظيفة:
في منطق الجوهر نسأل: ما الشيء؟ وما الصفات التي يحملها؟
أما في منطق الوظيفة فنسأل: داخل أي نسق يظهر الشيء؟ وبأي علاقات يتحدد؟ وما القانون الذي يربط حالاته بعضها ببعض؟
هذا التحول ليس مجرد تغيير لغوي، بل إعادة بناء كاملة لطبيعة المعرفة العلمية. فالعلم الحديث لا يكتفي بتسمية الأشياء، بل يحدد مواقعها وقيمها وعلاقاتها داخل شبكة من القوانين.
من الانغلاق على الشيء إلى رحابة العلاقة
لم يعد العقل العلمي يرهق نفسه بالبحث عن «ماهية» خفية لكل ظاهرة، بل يتجه إلى تحديد القوانين التي تربط الظواهر بعضها ببعض. ولا يعني ذلك أن العلم ينكر وجود الأشياء، بل يعني أن الشيء العلمي لا يُعرَف خارج الشروط والعلاقات التي تسمح بتحديده.
فالكتلة، والطاقة، والسرعة، والزمن، والمجال، ليست أوصافًا منعزلة تحملها جواهر مغلقة، وإنما مقادير تتحدد داخل أنظمة للقياس وعلاقات رياضية وقوانين فيزيائية.
إن الجسيم، مثلًا، لا يُعرَف علميًا من خلال «جوهره الباطن» الذي نفترض وجوده خلف كل تجربة، بل من خلال موقعه وحركته وكتلته وشحنته وتفاعلاته والقوانين التي تسمح بالتنبؤ بسلوكه.
وهكذا يتحول العالم من مجموعة جواهر متجاورة إلى نسق مترابط من الوظائف والعلاقات، كما تفصل ذلك هذه المادة:
Stanford Encyclopedia of Philosophy: Kant's Views on Space and Time
غير أن هذا التحول لا يعني أن كاسيرر يلغي الواقع أو يحوله إلى لعبة ذهنية. فهو لا يقول إن العقل يخلق العالم من العدم، وإنما يقول إن موضوع المعرفة العلمية لا يصبح موضوعًا محددًا إلا داخل نسق من المفاهيم والقوانين.
الواقع يقدم المادة والمقاومة والمفاجأة، لكن العقل يمنح هذه المادة صورتها العلمية القابلة للفهم والقياس.
ثانيًا: محور النسبية حين تتغير صورة المكان والزمان
في قلب التحولات العلمية الحديثة جاءت نظرية النسبية لتحدث تغييرًا بالغ العمق في فهم المكان والزمان والحركة والقياس.
كانت الفيزياء النيوتنية تفترض مكانًا مطلقًا وزمانًا مطلقًا. فالزمان يجري بصورة واحدة في جميع أنحاء الكون، سواء وقعت فيه أحداث أم لم تقع، والمكان يشكل مسرحًا ثابتًا تتحرك داخله الأجسام من دون أن يتأثر بما يحتويه.
أما النسبية الخاصة فقد بينت أن قياس الطول والمدة والتزامن يتوقف على حالة حركة الراصد. والحدثان اللذان يبدوان متزامنين بالنسبة إلى مراقب قد لا يكونان متزامنين بالنسبة إلى مراقب آخر يتحرك بسرعة مختلفة.
وهذا لا يعني أن كل شيء أصبح ذاتيًا أو اعتباطيًا، ولا أن الحقيقة تتغير بحسب المزاج الشخصي. النسبية ليست دعوة إلى القول إن لكل إنسان حقيقته، بل هي نظرية دقيقة تحدد رياضيًا كيف ترتبط القياسات المختلفة بعضها ببعض.
إن اختلاف القياسات لا يؤدي إلى الفوضى، لأن التحولات الرياضية توضح بصورة صارمة كيف ينتقل وصف الحدث من إطار مرجعي إلى إطار آخر.
وهنا تظهر فكرة كاسيرر بوضوح: الموضوعية لا تعني أن جميع المراقبين يعطون الرقم نفسه، بل تعني وجود قانون ثابت يربط بين اختلافاتهم.
النسبية ليست إنكارًا للحقيقة بل إعادة تعريف للموضوعية
في التصور البسيط، كنا نعتقد أن القياس الموضوعي هو القياس الذي لا يتغير أبدًا. لكن النسبية بينت أن بعض المقادير تتغير بتغير الإطار المرجعي، بينما تكمن الموضوعية في العلاقات والقوانين التي تحفظ الترابط بين هذه القياسات.
فالموضوعية لم تعد صفة لمقدار منعزل، بل صفة لبنية رياضية كاملة.
هذه نقطة مركزية في فلسفة كاسيرر: الثبات الحقيقي لا يوجد دائمًا في الأشياء المفردة، بل قد يوجد في القانون الذي ينظم تحولاتها.
فالطول المقاس قد يتغير، والمدة قد تختلف، لكن المعادلات التي تربط القياسات تبقى منضبطة. وهكذا تنتقل العقلانية من البحث عن مقدار مطلق ثابت خلف كل تجربة إلى البحث عن invariants، أي الثوابت البنيوية التي تبقى محفوظة خلال التحولات.
ثالثًا: من النسبية الخاصة إلى هندسة الزمكان
قدمت النسبية الخاصة تصورًا جديدًا للمكان والزمان، فلم يعودا مجالين منفصلين تمامًا، بل أصبحا مرتبطين داخل بنية واحدة هي الزمكان.
ولا يعني هذا أن المكان هو الزمان أو أن الفارق بينهما اختفى، وإنما يعني أن تحديد موقع الحدث لا يكتمل بذكر مكانه وحده، بل يحتاج كذلك إلى تحديد زمن وقوعه.
فالحدث الفيزيائي يقع في مكان معين وفي لحظة معينة، ولذلك يصبح العنصر الأساسي في الفيزياء النسبية هو «الحدث» داخل الزمكان، لا الجسم المنعزل داخل مكان ثابت.
ثم جاءت النسبية العامة لتذهب أبعد من ذلك. فالجاذبية لم تعد تُفهم فقط بوصفها قوة غامضة تؤثر عن بعد بين أجسام موجودة في فضاء ثابت، بل بوصفها مرتبطة بالبنية الهندسية للزمكان نفسه.
المادة والطاقة تؤثران في هندسة الزمكان، وهذه الهندسة توجه حركة الأجسام. وبهذا لا يكون المكان مجرد وعاء محايد يحتوي الأشياء، بل يصبح جزءًا من النظام الفيزيائي نفسه.
هذا التحول ينسجم بصورة عميقة مع انتقال كاسيرر من الجوهر إلى الوظيفة. فهندسة الزمكان لا تُعرف باعتبارها شيئًا قائمًا خلف العلاقات، بل من خلال العلاقات والقوانين التي تحدد البنية الفيزيائية للكون.
هل أسقطت النسبية فلسفة كانط؟
هنا تبدأ المسألة الفلسفية الدقيقة.
كان كانط يرى أن المكان والزمان صورتان قبليتان للحساسية الإنسانية، أي إنهما ليسا مفهومين نستخرجهما بعد التجربة، بل شرطان يسمحان أصلًا بأن تظهر لنا الأشياء في تجربة منظمة.
لكن كانط ارتبط، في صياغته التاريخية، بالهندسة الإقليدية وبصورة العلم النيوتني في عصره. وعندما ظهرت الهندسات اللاإقليدية، ثم جاءت النسبية العامة لتستخدم هندسة منحنية في وصف الجاذبية، بدا لكثيرين أن التطور العلمي قد أبطل التصور الكانطي.
إلا أن كاسيرر لم يقبل هذا الحكم السريع. فقد ميز بين روح السؤال الكانطي وبين الإجابات العلمية المحددة التي كانت متاحة في القرن الثامن عشر.
إن القول إن الهندسة الإقليدية هي الوصف النهائي والوحيد للمكان الفيزيائي يمكن أن يتغير مع تطور العلم. أما القول إن التجربة العلمية لا تصبح ممكنة إلا من خلال أشكال ومبادئ تنظيمية، فهذا هو العنصر النقدي الذي رأى كاسيرر إمكان الحفاظ عليه.
وبعبارة أخرى: قد تتغير الهندسة المستخدمة في الفيزياء، لكن لا توجد فيزياء بلا هندسة أو بلا نسق مفهومي ورياضي ينظم المشاهدات.
رابعًا: القبلية المرنة في مواجهة النسبية
يرى كاسيرر أن «القبلي» لا ينبغي أن يفهم بوصفه قائمة أبدية من القضايا العلمية التي لا يمكن تعديلها، بل بوصفه مجموعة من الوظائف والمبادئ التنظيمية التي تجعل المعرفة العلمية ممكنة.
فالعقل لا يستقبل الوقائع الخام ثم ينسخها كما هي، وإنما يحددها داخل أنظمة للقياس، ويمنحها مواقع في شبكات من العلاقات، ويربطها بقوانين كلية.
وفي نظرية النسبية يتضح هذا الدور بصورة رائعة. فنحن لا نصل إلى مفهوم الزمكان عن طريق ملاحظة حسية مباشرة لشيء اسمه «الزمكان». إننا نبنيه مفهوميًا ورياضياً لكي نوحد طائفة واسعة من القياسات والظواهر داخل نسق واحد.
ومع ذلك، فهذا البناء ليس اختراعًا حرًا لا يخضع للواقع؛ إذ لا بد أن ينجح في تفسير المشاهدات والتنبؤ بالظواهر وتحقيق الاتساق بين القياسات.
هنا تظهر القبلية عند كاسيرر بوصفها قبلية وظيفية لا قبلية جامدة.
ما الذي يبقى قبليًا؟
ليست كل معادلة فيزيائية حقيقة قبلية أبدية، وليست كل هندسة مفروضة على الطبيعة قبل أي تجربة. لكن تبقى هناك شروط منهجية لا يمكن للعلم أن يعمل من دونها، مثل:
- ضرورة البحث عن وحدة قانونية بين الظواهر.
- وإمكان التعبير عن القياسات داخل نسق رياضي.
- والسعي إلى ربط أوصاف المراقبين المختلفين بقوانين للتحويل.
- وافتراض أن اختلاف المنظورات لا يلغي إمكان الموضوعية.
- والتمييز بين التغير الاعتباطي والتغير المحكوم بقانون.
هذه المبادئ لا تقدم لنا محتوى الطبيعة مسبقًا، لكنها تحدد صورة البحث العلمي ومعايير الموضوعية فيه.
ولهذا فإن القبلية لا تتعطل أمام النسبية، بل يعاد فهمها. فالعقل لا يفرض على الواقع بالضرورة هندسة واحدة ثابتة، وإنما يفرض مطلب التنظيم القانوني والاتساق وإمكان توحيد الخبرة.
إن المقادير الفيزيائية، مثل الطول والمدة والكتلة والطاقة، لا تظهر بوصفها حقائق مطلقة منفصلة عن كل إطار، بل بوصفها دوال وعلاقات تكتسب معناها داخل النسق الرياضي الكلي.
وبهذا تتناغم الفلسفة النقدية، بعد إعادة بنائها، مع منجزات أينشتاين كما ينعكس في هذا التناول:
Non-Euclidean Geometry and Einstein's General Relativity: Cassirer's View in 1921
خامسًا: إعادة صياغة مفهوم «القبلي» عند كانط
لطالما مثّلت القبلية عند كانط البنى التي تسبق التجربة من حيث إمكانها، لا من حيث الترتيب الزمني البسيط. فالقبلي ليس فكرة يولد بها الإنسان مكتوبة في ذهنه بصورة جاهزة، بل شرط لا يمكن أن تكون الخبرة المنظمة ممكنة من دونه.
لكن كاسيرر أضاف إلى هذا المعنى بُعدًا إبستمولوجيًا أكثر مرونة.
من القالب الثابت إلى الوظيفة المنهجية
لم تعد القبلية محتوى جامدًا ومغلقًا، بل غدت وظيفة منهجية تنظم المعرفة وتتطور مع تطور العلوم.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن «المرونة» لا تعني التخلي عن كل معيار. فلو أصبحت المبادئ القبلية قابلة للتغيير الاعتباطي في كل لحظة، لفقدت معناها النقدي، وتحولت إلى مجرد عادات تاريخية.
لكن كاسيرر يريد القول إن الثابت ليس دائمًا هذا المبدأ العلمي المحدد أو تلك الهندسة بعينها، وإنما الثابت الأعمق هو وظيفة العقل في بناء الوحدة والانتظام والموضوعية.
قد تتغير الصياغة العلمية لمفهوم المكان، لكن الحاجة إلى نظام يسمح بتحديد المواقع والعلاقات لا تختفي.
وقد تتغير النظرية التي تصف الجاذبية، لكن مطلب القانون والتفسير الرياضي يبقى.
وقد تتغير صورة الزمن الفيزيائي، لكن لا يمكن أن توجد معرفة علمية من دون طريقة منضبطة لترتيب الأحداث وربطها وقياسها.
وبهذا تصبح القبلية أشبه بمبدأ بنائي متجدد، لا بقائمة من الأحكام الموروثة التي يجب الدفاع عنها مهما تغير العلم.
ويوضح السياق التالي هذا الانتقال من القالب الثابت إلى الوظيفة المنهجية:
Stanford Encyclopedia of Philosophy: Kant's Transcendental Idealism
سادسًا: العلاقة بين التجربة والبناء الرياضي
من أجمل ما يقدمه كاسيرر أنه يرفض الاختيار الساذج بين موقفين متطرفين:
الأول يقول إن العلم مجرد نسخ مباشر للواقع كما يظهر للحواس.
والثاني يقول إن العلم بناء ذهني حر لا صلة حقيقية له بالعالم.
كاسيرر يرى أن المعرفة العلمية تنشأ من تفاعل بين المعطى التجريبي والبناء الرمزي والمفهومي.
فالقياس ليس مجرد رؤية، بل عملية تحتاج إلى وحدات وأجهزة وتعريفات وقواعد للمقارنة. والواقعة العلمية ليست انطباعًا حسيًا منفردًا، بل نتيجة يتم تحديدها داخل منظومة من المفاهيم.
حين نقول إن جسمًا يتحرك بسرعة معينة، فإننا نكون قد استخدمنا مفهوم المسافة ومفهوم الزمن ووحدة القياس وإطارًا مرجعيًا وطريقة للمزامنة بين الساعات.
لذلك لا تكون الملاحظة العلمية بريئة من النظرية، ولا تكون النظرية منفصلة عن الملاحظة. كل منهما يصحح الآخر ويمنحه معناه.
وفي النسبية يظهر ذلك بوضوح شديد، لأن مفاهيم مثل التزامن والطول والمدة لا يمكن تحديدها من دون إجراءات للقياس وشروط مفهومية دقيقة.
سابعًا: كاسيرر وأينشتاين – الموضوعية بوصفها ثباتًا عبر التحول
قرأ كاسيرر النسبية باعتبارها انتصارًا للعقلانية العلمية، لا هزيمة لها.
فالنسبية لم تقل إن العالم فوضى من وجهات النظر الذاتية، بل بينت أن تعدد الأطر المرجعية يمكن تنظيمه داخل بنية قانونية واحدة.
وهذا هو المعنى الفلسفي الأعمق للتحويلات الرياضية: إنها تسمح لنا بالانتقال من وصف إلى وصف مع الحفاظ على الوحدة الموضوعية للنظام.
يمكن لكل مراقب أن يصف الأحداث من موقعه وحالته الحركية، لكن وصفه لا يبقى معزولًا عن أوصاف الآخرين. توجد قواعد صارمة توضح كيف يرتبط كل وصف بغيره.
وعليه، لا تقوم الحقيقة العلمية على إلغاء جميع المنظورات، بل على القدرة على ترجمتها وربطها داخل نسق مشترك.
إن الموضوعية هنا ليست «نظرة من لا مكان»، وإنما هي قانون يسمح بالتنسيق بين الأمكنة والمنظورات المختلفة.
وهذا قريب جدًا من روح الفلسفة النقدية: العقل لا يدّعي مغادرة جميع شروط المعرفة ليرى العالم كما هو في ذاته من خارج كل منظور، لكنه يستطيع بناء معرفة موضوعية من داخل شروط الخبرة، متى استطاع تنظيم الاختلافات وفق قوانين كلية.
ثامنًا: هل أصبحت القبلية تاريخية؟
قد يبدو من كلام كاسيرر أن المبادئ القبلية تتغير مع تاريخ العلوم، وهنا يبرز سؤال نقدي مهم: إذا كانت القبلية تتغير، فكيف تبقى قبلية؟
جواب كاسيرر يقوم على التمييز بين مستوى المبادئ العلمية المحددة ومستوى الوظائف المعرفية العامة.
قد تُستبدل هندسة بهندسة، وقد تتغير مفاهيم الحركة والمادة والزمن، لكن العلم يظل محتاجًا إلى مبادئ التنظيم والقياس والربط القانوني والوحدة المنهجية.
فالذي يتغير هو الصورة التاريخية التي تتجسد فيها العقلانية، أما وظيفة العقلانية نفسها فلا تختفي.
ومع ذلك تبقى هذه النقطة موضع نقاش. فقد يعترض الكانطي الصارم بأن كاسيرر وسّع مفهوم القبلي إلى درجة تهدد تمييزه عن الفرضيات العلمية العامة.
فإذا كان المبدأ قابلًا للتعديل استجابةً للتجربة، فربما لم يعد قبليًا بالمعنى الكانطي الدقيق، وإنما أصبح إطارًا نظريًا واسعًا يحتفظ به العلم ما دام ناجحًا.
هذه ليست ملاحظة هدامة، بل سؤال ضروري لفهم المسافة الحقيقية بين كانط وكاسيرر. فكاسيرر مخلص لروح كانط، لكنه لا يكرر كانط حرفيًا. إنه يعيد بناء النقدية في صورة أكثر تاريخية ووظيفية.
تاسعًا: حوار المحبة والتكامل بين كاسيرر وكانط
من الجميل أن ندرك أن كاسيرر لم يسع إلى هدم فلسفة كانط أو تجاوزها بتعالٍ، بل اعتبر نفسه امتدادًا مخلصًا للمشروع النقدي، بشرط ألا يتحول هذا الإخلاص إلى تجميد تاريخي.
الإخلاص الحقيقي للفيلسوف، في نظره، لا يكون بتكرار عباراته، بل بمواصلة السؤال الذي افتتحه.
وكان السؤال الكانطي الكبير: كيف تكون المعرفة الموضوعية ممكنة؟
أما كاسيرر فقد أعاد طرحه في زمن تغيرت فيه الرياضيات والفيزياء: كيف تكون الموضوعية ممكنة بعد الهندسات اللاإقليدية والنسبية وتحول المفاهيم العلمية من الجواهر إلى العلاقات؟
وحدة الروح النقدية
يظل الإقرار قائمًا بأن العقل الإنساني ليس متلقيًا سلبيًا للتجربة. فالمعطيات لا تنتظم من تلقاء نفسها في قوانين، ولا تحمل داخلها وحداتها ومفاهيمها وتصنيفاتها جاهزة.
العقل شريك مبدع في تشكيل الخبرة العلمية، لكنه ليس سيدًا مطلقًا يفرض ما يشاء. إنه يبني المفاهيم، ثم يختبر قدرتها على توحيد الظواهر ومقاومة الوقائع والتنبؤ بها.
المرونة الإبستمولوجية
منح كاسيرر الأدوات النقدية قدرة أكبر على احتضان التعددية الهندسية والتغير العلمي. لم يعد مطلوبًا من الفلسفة أن تربط مصير العقل بهندسة واحدة أو نظرية فيزيائية واحدة.
إن وظيفة الفلسفة ليست أن تختار للعلم نتائجه مسبقًا، بل أن تحلل الشروط التي تجعل بناء النظريات وموضوعيتها وتغيرها ممكنًا.
الاختلاف الذي لا ينبغي إخفاؤه
مع كل هذا التقارب، لا ينبغي تجميل الاختلاف بينهما.
كان كانط أكثر ميلًا إلى تثبيت جدول محدد للأشكال القبلية والمقولات، بينما اتجه كاسيرر إلى فهم أكثر ديناميكية وتاريخية للبنى المعرفية.
وكان كانط يرى الهندسة الإقليدية مرتبطة بصورة المكان الحدسية، بينما قبل كاسيرر تعدد الأنساق الهندسية واختيار ما يلائم النظرية الفيزيائية.
لذلك فالعلاقة بينهما ليست مجرد تطابق، بل حوار فيه وفاء وتعديل وتجاوز جزئي.
عاشرًا: النسبية ليست نسبوية فلسفية
من الأخطاء الشائعة استخدام نظرية النسبية لتبرير القول إن كل الحقائق نسبية، أو إن كل رأي صحيح من وجهة نظر صاحبه.
لكن النسبية الفيزيائية تقول العكس تقريبًا. إنها لا تلغي القانون، بل تزيده صرامة. ولا تساوي بين الآراء، بل تحدد بدقة أي القياسات صحيحة وكيف ترتبط بعضها ببعض.
قد يختلف مراقبان في قياس الزمن، لكنهما لا يستطيعان اختيار أي زمن يشاءان. يجب أن تخضع قياساتهما لشروط الإطار المرجعي ولمعادلات التحويل.
إذن، ما هو نسبي ليس الحقيقة بمعنى الاعتباط، بل بعض المقادير بالنسبة إلى إطار محدد. أما العلاقة التي تنظم الاختلاف فهي موضوعية وقانونية.
وهذه النقطة مهمة فلسفيًا؛ لأن كاسيرر لا ينتقل من النسبية العلمية إلى الشك أو الفوضى، بل يرى فيها نموذجًا جديدًا للعقلانية: عقلانية لا تطلب ثبات كل مقدار، بل تبحث عن ثبات النظام وسط التحولات.
الحادي عشر: من نظرية المعرفة إلى فلسفة الثقافة
لم يتوقف مشروع كاسيرر عند تحليل الرياضيات والفيزياء، بل اتسع لاحقًا إلى فلسفة الأشكال الرمزية.
فالإنسان لا يعيش في عالم فيزيائي فقط، بل في عالم من اللغة والأسطورة والفن والدين والتاريخ والعلم. وكل مجال من هذه المجالات ينظم الخبرة بطريقة رمزية خاصة.
وإذا كانت الفيزياء تبني موضوعها بواسطة المعادلات والمقاييس، فإن اللغة تبني عالم الدلالة بواسطة المفاهيم والأسماء، ويبني الفن عالمًا من الصور، وتبني الأسطورة نظامًا خاصًا لتجربة القوى والمعاني.
لكن هذا الاتساع لا يعني أن جميع الأشكال الرمزية متساوية في معيار الحقيقة. فالعلم يخضع لمعايير الاختبار والقياس والاتساق تختلف عن المعايير التي تحكم الفن أو الأسطورة.
وهنا تظل الروح النقدية ضرورية: الاعتراف بتعدد الأشكال الرمزية لا يعني الخلط بينها، ولا تحويل الرمز الديني أو الأسطوري إلى تقرير فيزيائي عن العالم.
خاتمة: نحو عقلانية متفتحة ومحبة للمعرفة
إن التأمل في العلاقة بين كانط وكاسيرر ونظرية النسبية يكشف أن الفلسفة الحقيقية ليست نظامًا مغلقًا يخشى العلم، ولا متحفًا لحفظ المفاهيم القديمة، بل نشاط نقدي حي يراجع أدواته كلما تغيرت صورة المعرفة.
لقد أدى الانتقال من «الجوهر» إلى «الوظيفة» إلى تغيير عميق في مفهوم الموضوع العلمي. فلم يعد الشيء يُفهم بوصفه كتلة من الصفات المنغلقة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة من العلاقات والقوانين.
وجاءت النسبية لتبين أن المكان والزمان والقياس لا يمكن فهمها باعتبارها أوعية مطلقة مستقلة عن شروط الرصد والحركة والبنية الفيزيائية. ومع ذلك، لم يؤد هذا إلى انهيار الموضوعية، بل إلى تعريف أعمق لها.
الموضوعية ليست غياب كل منظور، وإنما إمكان تنظيم المنظورات المختلفة وربطها بقانون.
والقبلية ليست بالضرورة مخزنًا لمحتويات عل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق