عرض كتاب فتغنشتاين، الحداثة، وتناقضات كتابة الفلسفة بوصفها شعرًا



فتغنشتاين والحداثة


قراءة تفسيرية موسعة لفصول الكتاب بحسب ترتيبها الأصلي


---


المقدمة


فتغنشتاين، الحداثة، وتناقضات كتابة الفلسفة بوصفها شعرًا


Michael LeMahieu & Karen Zumhagen-Yekplé


حين ننظر إلى فتغنشتاين من زاوية تاريخية بحتة، يبدو وضعه داخل الحداثة أمرًا يكاد يكون بديهيًا. وُلد سنة 1889 وتوفي سنة 1951، أي إن حياته تكاد تتطابق مع المرحلة المركزية التي يُؤرَّخ بها عادةً للحداثة الأوروبية. والأكثر دلالة أن الترجمة الإنجليزية المؤثرة لـTractatus Logico-Philosophicus ظهرت سنة 1922، السنة نفسها التي ظهرت فيها Ulysses لجيمس جويس وThe Waste Land لإليوت وJacob’s Room لفرجينيا وولف. ولم يكن التشابه زمنيًا فقط؛ فقد أحدث التراكتاتوس في الفلسفة اضطرابًا لا يقل، من حيث طبيعة الانقلاب، عن الاضطراب الذي أحدثته هذه الأعمال في الأدب.


لكن المشكلة أن تاريخ الفلسفة وتاريخ الأدب سارا طويلًا كما لو كانا عالمين منفصلين. كلمة «الحداثة» داخل الدراسات الأدبية تشير إلى حركة فنية وثقافية، في حين أن «الفلسفة الحديثة» في اصطلاح المؤرخين تمتد غالبًا من ديكارت إلى كانط. وهكذا لم يكن هناك مكان اصطلاحي واضح للحديث عن «فتغنشتاين الحداثي». وزاد الأمر تعقيدًا أن التلقي المبكر لـالتراكتاتوس وضعه بجوار الوضعية المنطقية، أي في معسكر العلم والمنطق والتحليل، مقابل الشعر والتاريخ والفن. ساهم كارناب ورايشنباخ، ثم الصورة العامة للفلسفة التحليلية، في تثبيت هذه القراءة، حتى صار فتغنشتاين يبدو ممثلًا للنزعة العلمية التي أرادت تطهير الفلسفة من التأمل والشعر.


غير أن هذه الصورة تخفي مفارقة مركزية. فتغنشتاين نفسه كتب أن الفلسفة ينبغي حقًا أن تُكتب بوصفها نوعًا من التأليف الشعري. وهذا ليس تفصيلًا أسلوبيًا يمكن عزله عن فلسفته؛ لأن الشكل الذي كتب به التراكتاتوس ثم التحقيقات الفلسفية جزء من العمل الذي تقوم به الفلسفة نفسها. في الكتاب الأول نجد قضايا قصيرة مرقمة، وبناءً يكاد يبدو هندسيًا، لكنه ينتهي بإبطال السلم الذي صعد عليه القارئ. وفي الكتاب الثاني نجد حوارًا متقطعًا، أصواتًا واعتراضات وأمثلة ومشاهد متخيلة وأسئلة لا تُجاب دائمًا. في الحالتين لا يمكن فصل ما يقوله فتغنشتاين عن كيفية قوله.


من هنا تظهر المفارقة التي سنحملها خلال هذا الكتاب: فتغنشتاين يستطيع أن يكون معاديًا للحداثة في ذائقته، وحداثيًا في ممارسته الفلسفية. كان يفضّل شوبيرت على كثير من الموسيقى الجديدة، ويتخذ مواقف شديدة التحفظ من الثقافة الحديثة، ومع ذلك فإن طريقته في تفكيك اللغة والذات والتمثيل والنظرية تجعله قريبًا من أعمق مشكلات الفن الحداثي. لهذا يمكن أن يظهر مرةً «حداثيًا غير معترف به»، ومرةً «مناهضًا للحداثة»، ومرة ثالثة «حداثيًا رغمًا عنه».


المسألة إذن ليست البحث عن تأثيرات مباشرة: هل قرأ هذا الشاعر فتغنشتاين؟ وهل أخذ هذا الروائي منه مفهومًا بعينه؟ الاهتمام الأعمق هو أن فلسفة فتغنشتاين والأدب الحداثي عملا داخل مجموعة متقاربة من الأزمات: أزمة تمثيل الواقع، أزمة الذات، الشك، العزلة، العلاقة بالآخر، الإيمان، حدود اللغة، وإمكان العثور على معنى في الحياة اليومية. ولهذا يضع الكتاب فتغنشتاين إلى جوار جويس وكافكا وبيكيت وستيفنز وموزيل وبنيامين وهنري جيمس وسول بيلو وأدولف لوس، لا ليثبت أنهم جميعًا يقولون شيئًا واحدًا، بل ليرى ما الذي يصبح مرئيًا عندما نضع أعمالهم بعضها بجوار بعض.


---


الفصل الأول


فتغنشتاين والحداثة في الأدب: بين التراكتاتوس والتحقيقات الفلسفية


Anthony J. Cascardi


لا أريد أن أبدأ بتعريف الحداثة بوصفها قائمة من الخصائص: التجريب، التفكك، الوعي بالشكل، أو الرغبة في «جعل الأشياء جديدة». ما يهمني أكثر هو العلاقة التي تقيمها الحداثة مع ما ورثته. الجديد لا يظهر في فراغ؛ إنه يظهر عندما تصبح الأشكال القديمة غير قادرة على الاستمرار من غير مساءلة. والحداثي لا يتخلص ببساطة من الماضي، بل يكتشف أن عليه أن يعيد النظر في الشروط التي كان ذلك الماضي يعمل من خلالها.


هذه النقطة تجعل فتغنشتاين شخصية مناسبة بصورة خاصة لفهم الحداثة. بين التراكتاتوس والتحقيقات لم يغيّر مجموعة من الآراء فحسب؛ لقد أعاد تعريف ما يمكن أن تكون عليه الممارسة الفلسفية نفسها. ولن أقول إن فتغنشتاين كاتب أدبي، أو إن أعماله روايات أو قصائد متنكرة. ما أريد إظهاره هو أن تحوله الفلسفي يفتح «أرضًا سالبة» يمكن عندها أن نرى على نحو أوضح ما كانت الفلسفة تستبعده وما كان الأدب الحداثي يضعه في المقدمة: التجربة، الوعي، القيمة، الحياة اليومية، وكيف يظهر العالم للإنسان الذي يعيش فيه.


في التراكتاتوس يبدأ الأمر من محاولة رسم حدود القول ذي المعنى. العالم هو مجموع الوقائع، والقضية ذات المعنى تصوّر حالة ممكنة من حالات العالم. هذه الصرامة تمنح الكتاب قوته، لكنها تؤدي كذلك إلى نتيجة غريبة: أشياء كثيرة تهمنا أكثر من غيرها لا تدخل داخل المجال الذي تستطيع القضايا وصفه. القيمة، الأخلاق، معنى الحياة، الذات الميتافيزيقية، وما يسميه فتغنشتاين «الصوفي» لا تظهر بوصفها وقائع إضافية إلى جانب الوقائع الأخرى. تحديد ما يمكن قوله يرسم في اللحظة نفسها حدودًا لما لا يمكن قوله.


وهنا يصبح الأدب الحداثي مهمًا. فرجينيا وولف مثلًا لا تتعامل مع الواقع كما لو كان مجرد تجميع لوقائع موضوعية مستقلة عن كيفية ظهورها في الخبرة. ما نطلق عليه «الحياة» يتكون أيضًا من الانطباعات العابرة، تبدلات الانتباه، ما يبدو صغيرًا أو هامشيًا، والحركة الداخلية التي تجعل واقعة ما ذات وزن بالنسبة إلينا. الأدب الحديث لا يضيف ببساطة «الذاتية» إلى عالم موضوعي قائم؛ إنه يسأل كيف يكون هناك عالم إنساني أصلًا من غير شبكة الخبرة التي يظهر داخلها.


لهذا أضع إلى جانب فتغنشتاين أسماء مثل وولف وغيرترود شتاين وبيكيت. في أعمالهم تصبح اللغة نفسها موضع اختبار. ليست اللغة نافذة شفافة ننظر عبرها إلى أشياء جاهزة، لكنها ليست سجنًا يستحيل الخروج منه أيضًا. إنهم يغيّرون شكل الجملة والسرد والحوار لأن العلاقة بين الكلمات والحياة أصبحت موضع السؤال نفسه.


عندما نصل إلى التحقيقات الفلسفية يتغير المشهد. لم يعد المطلوب بناء نظرية عامة ثم تحديد حدودها. الأسئلة نفسها تُعاد إلينا: لماذا نطرحها هكذا؟ ما الاستخدام الذي انتُزعت منه الكلمة؟ بأي صورة أسرنا أنفسنا؟ هنا تظهر ألعاب اللغة، والقواعد، وأشكال الحياة. الفلسفة لا تكشف شيئًا مخفيًا وراء الكلام؛ إنها تعيد ما أصبح غريبًا إلى السياق الذي يعيش فيه.


هذا يفسر الصلة ببيكيت على نحو أفضل من أي بحث عن «أفكار مشتركة». شخصيات بيكيت تتكلم لأن الكلام يستمر حتى بعد سقوط المشروعات الكبرى التي كان يفترض أن تمنحه أساسًا. أفعالها صغيرة، متكررة، وأحيانًا عبثية، لكن المعنى لا يختفي ببساطة. كما أن الفعل لا يمكن التخلص منه تمامًا، لا يمكن للغة أن تتوقف عن العمل وهي مستعملة. هنا لا نحتاج إلى عالم ميتافيزيقي خلف العالم اليومي؛ علينا أن ننظر إلى ما يحدث أمامنا.


لهذا فإن حداثة التحقيقات لا تكمن في كونها «أدبية». الأكثر دقة أنها تمثل فلسفة اضطرت إلى إعادة اكتشاف إمكاناتها بعدما فقدت أشكالها التقليدية سلطتها. الأصوات المتعددة، الأسئلة، الأمثلة الخيالية، الحالات الغريبة، كلها ليست زينة أدبية أضيفت إلى حجة يمكن كتابتها بالطريقة الأكاديمية العادية. إنها الأدوات التي أصبحت الفلسفة نفسها تحتاج إليها كي تؤدي عملها.


فتغنشتاين، بهذا المعنى، يقف بين الأدب والفلسفة من دون أن يلغي الفرق بينهما. وما تكشفه الحداثة هنا ليس أن الأدب صار فلسفة أو أن الفلسفة صارت أدبًا، بل أن كليهما اضطر إلى إعادة فحص وسائله حين لم يعد يستطيع أن يأخذ علاقته بالعالم واللغة والتقاليد أمرًا مفروغًا منه.


---


الفصل الثاني


«أن تصبح شخصًا مختلفًا»: فتغنشتاين، المسيحية، وروح الحداثة


Marjorie Perloff


المفارقة التي تهمني في فتغنشتاين أن الرجل الذي يمكن وصفه بأنه حداثي كامل تقريبًا لم ير نفسه كذلك. أحكامه الفنية كثيرًا ما كانت محافظة، ونفوره من جوانب الثقافة الحديثة معروف. ومع ذلك يصعب العثور على مفكر يجسد بصورة أشد تلك الرغبة الحداثية في إعادة صنع الذات والحياة.


المفتاح عندي ليس عقيدة فتغنشتاين الدينية، لأن البحث عن «عقيدته» بالمعنى التقليدي يقودنا سريعًا إلى تناقضات. المفتاح هو العبارة التي ارتبطت بتحوله خلال الحرب: أن يصبح إنسانًا مختلفًا. الدين عند فتغنشتاين لا يظهر أولًا بوصفه مجموعة قضايا عن الله والعالم، بل بوصفه مطلبًا يطال شكل الحياة كله.


الحرب العالمية الأولى كانت حاسمة. دخلها فتغنشتاين طوعًا، وكانت تجربة الخطر والموت، مع قراءاته لتولستوي، جزءًا من التحول الذي جعل الأسئلة المنطقية في دفاتره تتجاور مع أسئلة السعادة والموت والإرادة ومعنى العالم. لم يعد العمل على المنطق منفصلًا عن العمل على النفس. وما سيظهر لاحقًا في التراكتاتوس بوصفه تمييزًا بين الوقائع والقيمة كان مرتبطًا بمشروع شخصي بالغ الصرامة: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟


بعد الحرب لم يتصرف فتغنشتاين كما لو أن الفلسفة مهنة ناجحة اكتملت مرحلتها الأولى. تنازل عن ثروته، حاول أن يعيش حياة مختلفة، عمل معلّمًا، اشتغل بالبستنة، ثم عاد إلى العمارة والفلسفة. هذه التحركات لا أريد أن أحولها إلى أسطورة قديس؛ فقد أخفق مرارًا في المثل التي وضعها لنفسه، وكان تعامله مع الآخرين أحيانًا قاسيًا ومتطلبًا. لكن هذه التناقضات جزء من القضية: التحول الذي أراده لم يكن إنجازًا مكتملًا بل صراعًا مستمرًا مع الذات.


وهذا ما يجعل قراءته للمسيحية لافتة. عندما عاد إلى العهد الجديد في الثلاثينيات، لم يبحث فيه عن نظرية يمكن الدفاع عنها فلسفيًا. كان يصر على أن المسيحية ليست نظرية، وأنها لا تستقيم إذا حُولت إلى تفسير تاريخي أو علمي للعالم. الإيمان الحقيقي بالنسبة إليه يقع في الطريقة التي يعيش بها الإنسان، لا في مقدار المعلومات التي يمتلكها عن موضوع ديني. وهذا ينسجم مع موقفه من الطقس في نقده لفريزر: الطقس لا يصبح خطأً علميًا إلا عندما نسيء فهمه بوصفه نظرية فاشلة عن الطبيعة.


ولهذا جذبته الأناجيل من حيث كونها صورًا للحياة أكثر من كونها نسقًا لاهوتيًا. وقد كان في مرحلة معينة شديد الارتياب من البناء العقائدي المرتبط برسائل بولس، وإن كان قد عدّل هذا الحكم في سنواته اللاحقة واعترف بأنه بالغ في الفصل بين دين الأناجيل ودين بولس. المهم أن مركز ثقله ظل بعيدًا عن المؤسسة والنظرية وقريبًا من الممارسة والتحول.


ينبغي ألا نخلط هذا الموقف بالقول إن كل الاعتقادات صحيحة داخل «لعبة اللغة» الخاصة بها. فتغنشتاين ليس فيلسوفًا يقدم حصانة سهلة للدين ضد النقد. موقفه أشد اضطرابًا. الإيمان بالنسبة إليه التزام يغير طريقة وجود الإنسان، ولذلك لا يُختزل إلى فرضية منافسة للفرضيات العلمية. إنه لا يحل معضلة الدين بأن يجعله معرفة من نوع آخر؛ إنه يغيّر السؤال عن ماهية الإيمان نفسه.


وفي هذه النقطة يظهر قربه من الروح الحداثية رغم مقاومته لها. الإنسان الحداثي عنده لا ينتظر ثورة تاريخية كبرى تحل تناقضاته، بل يبدأ من حياته التي يعيشها الآن. لا تستطيع نظرية عن المستقبل أن تحل مشكلتي الأخلاقية الحالية. التغيير المطلوب ليس أولًا تغيير العالم الخارجي بل تغيير العين التي أعيش بها فيه.


ولهذا يمكن أن يبدو فتغنشتاين في وقت واحد راهبًا ومهندسًا ومتصوفًا وناقدًا للميتافيزيقا. ليست هذه هويات يمكن دمجها في نظام. إنها أجزاء من حياة قاومت باستمرار تحويل المعنى إلى عقيدة جاهزة. حتى في On Certainty، حيث يصل إلى أكثر الأشياء عاديةً وبديهيةً في حياتنا، نجد الإيمان واليقين لا باعتبارهما استنتاجًا من مقدمات، بل الخلفية التي لا تبدأ الممارسة الإنسانية من دونها.


من هنا يأتي فتغنشتاين الحداثي الذي يعنيني: ليس الرجل المتحمس للفن الحديث، بل الإنسان الذي جعل إعادة تشكيل حياته جزءًا من معنى الفكر. يريد الوضوح، لكنه يعرف أن الوضوح الذي يستحق أن نطلبه لا ينفصل في النهاية عن السؤال: أي إنسان أصبحت؟


---


الفصل الثالث


مفهوم التعبير في الفنون من منظور فتغنشتايني


Charles Altieri


أريد أن أستعيد مفهومًا تضرر كثيرًا في النظريات الحديثة للفن: التعبير. أصبح من السهل أن نفهم التعبير بطريقة نفسية بسيطة: هناك شعور خاص موجود في الداخل، ثم تأتي القصيدة أو اللوحة أو الموسيقى فتنقله إلى الخارج. لكن هذا التصور أضعف بكثير من مفهوم التعبير الذي احتاج إليه الفن الحداثي.


الفنانون الحداثيون لم يكونوا معنيين فقط بتمثيل العالم ولا بإفشاء الحالات النفسية للفنان. كانوا يسعون إلى إنشاء أشكال تجعل شيئًا حاضرًا لم يكن حاضرًا قبل العمل نفسه. لهذا أجد فتغنشتاين المتأخر مفيدًا. فهو يسمح لنا بأن نفكر في التعبير لا بوصفه تقريرًا عن حالة داخلية، بل بوصفه تحققًا للحالة في صورة قابلة للظهور.


هناك أربع سمات أريد التركيز عليها. أولًا، التعبير يزعزع النموذج التجريبي الذي يفصل بين ذات داخلية وموضوع خارجي. ثانيًا، هو نشاط بنائي وعرضي أكثر من كونه تمثيلًا لشيء جاهز. ثالثًا، ما يتكون في التعبير ليس موضوعًا فقط، بل علاقة بين الذات وما تواجهه. رابعًا، الاستجابة المناسبة للعمل ليست دائمًا تفسيره إلى معنى آخر، وإنما نوع من المشاركة أو التوافق معه.


لهذا لا يكفيني أن أقول إن اللوحة «تعبّر عن الحزن» لأن الفنان كان حزينًا، أو إن المشاهد يتعرف في الألوان على علامة نفسية اسمها الحزن. العمل الفني يمكن أن يخلق هيئة للحزن تجعلنا ندرك ما يكونه هذا الشعور على نحو لم يكن متاحًا لنا قبل العمل. إن قيمة التعبير تقع في ظهوره المحسوس، لا في كونه رمزًا قابلًا للاستبدال بتقرير نفسي.


هنا أستعيد هيغل ولكن من دون أن أُلزم نفسي بأنطولوجيته المثالية. لدى هيغل فكرة قوية: الروح لا توجد أولًا مكتملة داخل الذات ثم تبحث عن قشرة خارجية؛ إنها تتحقق في أشكال تعبيرها. هذا هو العنصر الذي يمكن لفتغنشتاين أن يساعدنا على الاحتفاظ به من دون الالتزام بنظام هيغلي كامل.


لنأخذ الألم. حين يقول شخص «أنا أتألم»، لا يلزم أن نفهم الجملة بوصفها تقريرًا مبنيًا على مراقبة داخلية: نظرتُ إلى نفسي، اكتشفتُ حدثًا نفسيًا، ثم وصفتُه. فتغنشتاين يربط مثل هذا القول بالسلوك التعبيري الذي تحل فيه الكلمات محل الصرخة أو تمتد منها. القول نفسه فعل داخل الحياة.


هذا مهم للفن؛ لأن العمل التعبيري لا يحتاج إلى أن يكون وصفًا لشيء داخل الفنان. التعبير قد يكون هو الموضع الذي تتحدد فيه الحالة نفسها. ولذلك لا تكون العلاقة بين الداخل والخارج علاقة شيء مختبئ بنسخة ظاهرة منه.


وتصبح فكرة النموذج أكثر نفعًا من فكرة النسخة. العمل لا ينسخ واقعًا سبقه بالضرورة؛ إنه يرتب المواد بطريقة تمكننا من رؤية إمكانات جديدة في الأشياء وفي أنفسنا. لهذا يمكن للعمل الفني أن يكون معرفيًا من دون أن يقدم لنا «معلومة». إنه يعيد ترتيب مجال الاستجابة.


هذا ما يجعل الأسلوب أساسيًا. الأسلوب ليس غلافًا لمضمون كان يمكن التعبير عنه بطريقة أخرى. في العمل القوي، لا نستطيع فصل ما يُظهره عن الشكل الذي يظهر به. وإذا كان الفن الحداثي قد فقد القواعد المستقرة التي كانت تخبر الفنان مسبقًا بما ينبغي أن يكون عليه العمل، صار كل عمل كبير مضطرًا بصورة ما إلى إنشاء معايير نجاحه أثناء اشتغاله.


وهنا يظهر الخطر الملازم للحداثة: إذا لم تعد القاعدة الخارجية جاهزة، فكيف نفرق بين التعبير الحقيقي والادعاء؟ بين الإنجاز والاحتيال؟ لا توجد صيغة ميكانيكية تعطينا الجواب. العمل يجب أن يجعلنا قادرين على الاستجابة له، وأن يحقق في مادته ما يدعونا إلى الاعتراف به.


من هنا أريد إعادة التعبير إلى مكانه: ليس بوصفه ثرثرة عن باطن الفنان، بل بوصفه قدرة الشكل على تحقيق حضور لا يمكن اختزاله إلى وصف أو تقرير. فتغنشتاين مهم للفن لأن فلسفته تساعدنا على رؤية أن المعنى الإنساني لا يقيم وراء التعبير ثم يُرمّز؛ إنه يعيش في ممارسات التعبير نفسها.


---


الفصل الرابع


فتغنشتاين، لوس، والحداثة النقدية: الأسلوب والفكرة في العمارة والفلسفة


Allan Janik


إذا أردنا أن نفهم أسلوب فتغنشتاين، فأنا أقترح ألا نبدأ من الشعر، بل من الحرفة.


أدولف لوس واحد من الأشخاص الذين عدّهم فتغنشتاين مؤثرين في «عمله التوضيحي». ومع ذلك لا نملك شرحًا مباشرًا مفصلًا من فتغنشتاين لطبيعة هذا التأثير. ولذلك علينا إعادة بنائه من تصور لوس للعمارة والأسلوب والصنعة.


كان لوس يخوض معركة ضد ثقافة فيينا التي خلطت الأسلوب بالزينة. رفض التاريخانية التي تستعير أقنعة الماضي، لكنه رفض أيضًا Jugendstil الذي ظن أنه يتجاوز التاريخانية بابتكار زخارف «حديثة». بالنسبة إليه الخطأ واحد في الحالتين: الاعتقاد بأن حداثة الشيء تكمن في المظهر الذي نضيفه إليه.


الكرسي ينبغي أن يُصنع انطلاقًا من الجلوس. والبيت ينبغي أن يُبنى من شروط السكن. والسقف ينبغي أن يفكر في المطر والثلج، لا في صورته بوصفه «سقفًا جميلًا». خلف هذه الأمثلة مبدأ أخلاقي بقدر ما هو معماري: احترم الشيء الذي تعمل عليه ولا تجبره على تمثيل شيء ليس هو وظيفته.


من هنا تأتي أهمية البناء من الداخل إلى الخارج. لا يبدأ لوس بواجهة يريد فرضها، ثم يجبر الحياة الداخلية للمنزل على الخضوع لها. تنشأ الواجهة من تنظيم الفضاء والحاجات. وبهذا المعنى يصبح الـRaumplan أكثر من تقنية معمارية؛ إنه مثال على التفكير الذي يسمح لبنية الشيء بأن تقودنا بدل أن نفرض عليها صورة جاهزة.


لوس يفصل كذلك بين الفن والعمارة. البيت يجيب عن حاجة؛ العمل الفني ليس مضطرًا إلى ذلك. البيت مسؤول تجاه من يسكنه، بينما يستطيع الفن أن يكون ثوريًا ومزعجًا. وحين نحول كل أدوات الحياة اليومية إلى «فن»، فإننا لا نرفع الحرفة إلى الفن، بل نفسد الاثنين: نحرم الأشياء العملية من البساطة التي يقتضيها استعمالها ونحوّل الفن إلى زخرفة.


الآن نستطيع أن نرى فتغنشتاين بصورة مختلفة. حين يقول إن العمل في الفلسفة يشبه العمل في العمارة، وإنه في الحقيقة عمل على النفس وعلى طريقة رؤيتنا للأشياء، فالتشابه ليس استعارة فضفاضة. الفيلسوف مثل المعماري الرديء يستطيع أن يفرض على اللغة بناءً لا يناسب استعمالها. والأسئلة الميتافيزيقية كثيرًا ما تنشأ من هذه اللحظة: ننجذب إلى شكل الكلمات وننسى العمل الذي تقوم به داخل الحياة.


ولهذا لا يحتاج فتغنشتاين المتأخر إلى «نظرية لغوية» بديلة. يحتاج إلى عدة حِرَفي: مثال، سؤال، لعبة لغة، حالة خيالية، مقارنة، قول مأثور، جواب متعمد الخطأ أحيانًا. هذه الأدوات تجعلنا نلاحظ شيئًا كنا نعرفه طوال الوقت لكننا نتجاوزه بسبب ألفته.


راسل قدّم له نموذجًا مبكرًا للحيلة التحليلية عندما أظهر أن القضية «ملك فرنسا أصلع» تخفي بناءً منطقيًا أكثر تعقيدًا مما يوحي سطحها. وجداول الصدق في التراكتاتوس أدت وظيفة مشابهة: تقنية تجعل التمييز مرئيًا. أما لوس فأعطاه نموذجًا أوسع لما تعنيه التقنية حين تصبح حرفة: ليست الحرفة نظرية عن الشيء بل طريقة ماهرة تجبرنا على رؤيته بصورة صحيحة.


لهذا أتحفظ على تحويل أسلوب فتغنشتاين إلى «فن». نعم، كتابته جميلة، ونعم يستخدم إمكانات اللغة الأدبية. لكن جمالها جمال الشيء المصنوع جيدًا. إنه أقرب إلى جمال كرسي خشبي متقن الصنعة من جمال قصيدة لريلكه.


المعيار النهائي هو الوضوح. كل التنويع الأسلوبي في التحقيقات خاضع لمهمة واحدة: أن يجعل الإنسان يرى كيف تورط في المشكلة. فتغنشتاين يستخدم الخيال والإقناع اللغوي، لكنه يفعل ذلك بعقلية المهندس الذي يريد أن تعمل القطعة كما ينبغي، لا بعقلية الفنان الذي يريد صنع أثر مستقل.


وهنا كان لوس حاسمًا. لقد أظهر له أن الحداثة الحقيقية لا تعني أن نخترع مظهرًا جديدًا، بل أن نزيل ما يحجب وظيفة الأشياء. وفتغنشتاين يفعل باللغة شيئًا قريبًا جدًا: ينزع الزخرفة الميتافيزيقية حتى نرى عمل الكلمات.


---


الفصل الخامس


لوس، موزيل، فتغنشتاين، واستعادة الحياة الإنسانية


Piergiorgio Donatelli


السؤال الذي يحركني هنا هو: ماذا لو كانت الأزمة التي يعالجها فتغنشتاين ليست أزمة لغة منفصلة عن الحياة، بل أزمة في قدرتنا على امتلاك لغتنا وحياتنا بوصفهما حياتنا؟


أضع لوس وروبرت موزيل إلى جوار فتغنشتاين لأن الثلاثة يميزون بين مجال الحياة العادية ومجال «الأعلى»: الأخلاق، الفن، الروح، التجربة الشخصية العميقة. لكن الفصل بين المجالين لا يعني أن الأعلى يوجد في عالم منفصل. على العكس: لا يصبح الأعلى ممكنًا إلا عندما نستعيد ثقتنا بما هو عادي.


هذه هي المفارقة الأساسية. إذا فقدنا لغة حاجاتنا اليومية، فلن ننقذ الروح بالهروب من اليومي؛ سنفقد الروح أيضًا.


عند لوس، الثقافة السليمة تظهر في الطريقة التي نصنع بها كرسيًا، ونلبس بها، ونسكن بها بيتًا، وننظم بها المدينة. لا يخترع المصمم من فراغ معنى الجلوس ثم يفرضه علينا. أشكال الأشياء تنمو داخل شبكة من الحاجات والممارسات. لذلك يكون الهوس بـ«الأسلوب» علامة على أننا لم نعد نثق في هذه الشبكة.


حين نزين الشيء اليومي لكي يصبح «فنيًا»، نكون قد فقدنا القدرة على رؤية قيمته من خلال استعماله. وفي الوقت نفسه نهين الفن، لأننا نحوله من القوة التي تستطيع أن تهز الإنسان إلى خدمة تجميلية للكرسي والملعقة والواجهة. استعادة الحياة العادية واستعادة استقلال الفن عمليتان متلازمتان.


موزيل يذهب أبعد. مشكلته ليست فساد مجموعة من المعماريين أو الفنانين؛ الأزمة أصابت الحضارة نفسها. الحياة الحديثة تتجه إلى المكننة، والتخصص، والبيروقراطية، والتنظيم الرأسمالي، وسيطرة النموذج العلمي للموضوعية. ولا يهاجم موزيل العلم أو التجارة أو الإدارة في ذاتها. المشكلة تظهر عندما تصبح «الموضوعية» النموذج الوحيد لفهم النظام.


القانون العلمي يربط الوقائع بطريقة مجردة، لكنه لا يخبرنا كيف ترتبط هذه الأنشطة بوصفها طرقًا بشرية للعيش. الحضارة تحتاج إلى الروابط التي لا تظهر في معادلة: الثقة، القبول، الإيمان، الخيال، وطريقة البشر في اعتبار بعض الأشياء بديهية معًا.


حين تضيع هذه الخلفية يظهر «الإنسان بلا صفات». ليس المقصود إنسانًا فارغًا فقط، بل عالمًا أصبحت فيه الصفات والوظائف والعمليات تعمل كما لو لم تعد تحتاج إلى ذات تعيشها.


ويسمي موزيل التجربة الشخصية المكثفة «الحالة الأخرى». إنها ليست قاعدة للحياة اليومية بل استثناء وتحول: الحب، التواضع، الخبرة الأخلاقية، اللحظة التي يتغير فيها وزن الواقع كله. لكنها لا تستطيع الظهور إلا على خلفية الحالة العادية. الاستثناء يحتاج إلى قاعدة كي يُرى بوصفه استثناء.


هذا يقود مباشرة إلى التراكتاتوس. حين يقول فتغنشتاين إن الأخلاق لا يمكن التعبير عنها بالقضايا، لا أقرأ ذلك بوصفه قرارًا بطرد الأخلاق إلى عالم شخصي مغلق. ما يفعله الكتاب هو تحرير اللغة من مطالبتنا لها بأن تقول «الأعلى» كما تقول الوقائع. وحين تتضح حدود ما يمكن قوله، يصبح ما لا يُقال قابلًا لأن يظهر بوصفه غيابًا ذا دلالة.


وهنا أختلف عن القراءة التي تجعل إنجاز فتغنشتاين مجرد حماية للقيمة من ابتذال الكلام العام. المجال الشخصي ليس صندوقًا جاهزًا نخفيه بعيدًا عن اللغة العامة. علينا أن نصل إليه. والطريق إليه يمر عبر استعادة لغة مشتركة إنسانية بالكامل.


حين أعرف ما يعنيه الموت والدفن والقبر داخل شكل حياتنا، يمكن لكومة تراب في الغابة أن تفتح أمامي فجأة معنى الجلال والموت. ليس لأنها تحمل «قضية أخلاقية» سرية، بل لأن امتلاكي للممارسة العادية يتيح لي إدراك ما يتجاوز تقرير الوقائع.


لهذا ترتبط أزمة الحضارة عند فتغنشتاين بمفهوم الوضوح. حضارتنا مهووسة بالتقدم والبناء وزيادة التعقيد. أما فتغنشتاين فيقول إن الوضوح بالنسبة إليه غاية في ذاته. قبل أن نسأل كيف نتقدم، ينبغي أن نعرف المجال الذي نتحرك فيه ومعايير ما نسميه تقدمًا أصلًا.


وفي عمله المتأخر تتحول هذه المهمة إلى إيجاد تمثيلات واضحة، وصلات وسيطة، وطرائق مختلفة للرؤية. لا يوجد إصلاح كلي يأتي من أعلى. توجد حالات اختناق منفردة يعاد ترتيبها واحدة بعد أخرى.


وهنا تتحول الأزمة نفسها إلى شرط للإبداع. حين لا يعود النظام الثقافي قادرًا على إعطائنا مكانًا جاهزًا، نصبح مضطرين إلى اكتشاف طرق جديدة لرؤية ما نفعله. العودة إلى العادي ليست رجوعًا محافظًا إلى الماضي؛ إنها البحث في أكثر التفاصيل تواضعًا عن الشروط التي تجعل عالمًا إنسانيًا ممكنًا.


الأعلى لا يُستعاد بالابتعاد عن الحياة اليومية، بل باستعادة إنسانية الحياة اليومية نفسها.


---


الفصل السادس


فتغنشتاين، بنيامين، والواقعية الخالصة


Eli Friedlander


سأبدأ من واحدة من أغرب قضايا التراكتاتوس: عندما يُتبع الموقف الأناوحدي إلى نهايته الصارمة فإنه يتطابق مع الواقعية الخالصة.


قد تبدو الجملة تفنيدًا للأناوحدية بإظهار أنها تنتهي إلى نقيضها. لكنني أريد أن آخذ عبارة «الواقعية الخالصة» بجدية وأسأل: ما الذي تعنيه؟


يقول فتغنشتاين: «العالم هو عالمي». القراءة السريعة تجعل العبارة إعلانًا لامتياز الذات. لكن حركة النص تسير في الاتجاه المعاكس. إذا حاولتُ تحديد «أنا» داخل العالم، فسأجد جسدي بين أجسام أخرى، وأفكاري بين أحداث أخرى. لا أستطيع العثور على الذات الميتافيزيقية بوصفها قطعة خاصة داخل العالم. وكلما تقلصت الذات حتى تصبح نقطة بلا امتداد، لا يبقى في الجهة المقابلة عالم ناقص؛ يبقى العالم كله.


عندئذ ينتقل التفرد الذي كان الأناوحدي يريد احتكاره لنفسه إلى العالم. لا أرى نفسي بوصفها الشيء المتميز وسط أشياء محايدة؛ أرى العالم ذاته في وحدته. هذه ليست «موضوعية» العالم العلمي الذي ينظر من لا مكان. إنها وضعية تختفي منها المنافسة بين ما هو «لي» وما هو «ليس لي».


وهذه النقطة تقودني إلى الفن. يروي فتغنشتاين حالة النظر إلى شخص يقوم بأفعال يومية بسيطة وهو يظن نفسه غير مراقب: يمشي في غرفته، يشعل سيجارة، يجلس. نحن نرى مثل هذه الأمور يوميًا ولا تؤثر فينا. لكن لو ارتفع ستار مسرح ورأينا المشهد نفسه كما لو كنا نشاهد فصلًا من حياة إنسان من الخارج، فقد يصبح الأمر غريبًا ومدهشًا.


لم يتغير الحدث. الذي تغير هو إمكان رؤيته في منظوره الصحيح.


العمل الفني، عندئذ، ليس مجرد موضوع اختاره الفنان لأنه شخصيًا متحمس له. الحماس الخاص لا يجعل المنظر الطبيعي فنًا؛ ولهذا يمكن لصورة التقطها شخص في رحلة أن تكون ذات قيمة عظيمة بالنسبة إليه وباردة تمامًا بالنسبة إلى الآخرين. العمل الحقيقي يبني شيئًا يجبرنا على رؤية الفردي بطريقة لا تعتمد على ذكريات صاحبه الخاصة.


وهذه هي الصلة بالواقعية الخالصة: أن ترى الشيء متحررًا من الامتياز الذي تمنحه له مصالحك الخاصة، لكن من دون تحويله إلى شيء ميت ومحايد.


هنا تبرز فكرة «العرض الواضح» عند فتغنشتاين. قد نعتقد أن ترك الأشياء كما هي يعني ألا نفعل شيئًا. العكس صحيح. يتطلب الأمر عملًا بنائيًا كبيرًا كي نستطيع أن نرى الأشياء في محيطها. الحالات لا ترتب نفسها تلقائيًا. ينبغي إيجاد الحالات الوسيطة، وإظهار القرابات، وبناء مجال يمكن داخله رؤية الصلات.


ولهذا يجد فتغنشتاين نظيرًا لطريقته عند غوته. العلم الغوتوي لا يبحث خلف الظواهر عن قانون مجرد يفسرها؛ يعيد ترتيب الظواهر بحيث يظهر بينها شكل من الوحدة. «النموذج الأصلي» لا يقع خلف الوقائع مثل شيء سري، بل يظهر عبر طريقة جمع الوقائع وعرض انتقالاتها.


حتى مفهوم «التشابه العائلي» يصبح، من هذا المنظور، بناءً إيجابيًا لا مجرد نفي للماهية. المهمة ليست القول إن الأشياء لا تملك خاصية مشتركة؛ المهمة هي إنشاء المحيط الذي يجعل شبكة تشابهاتها مرئية.


والآن يظهر بنيامين والتصوير الفوتوغرافي. الكاميرا تستطيع أن تكشف تفاصيل لا تراها العين المعتادة. والفيلم يستطيع أن يفجر السجن الذي تصنعه ألفة الشوارع والمكاتب والغرف ومحطات القطار، فيفتح داخل اليومي مجالًا جديدًا للحركة والرؤية. لكن التقنية وحدها لا تكفي. المجهر يستطيع إظهار ما لا نراه، لكنه لا يجعل ذلك عالمًا صالحًا للسكن الإنساني. هنا يبدأ عمل الفن.


لهذا يميز بنيامين ضمن «الموضوعية الجديدة» بين مجرد الدقة وبين بناء الرؤية. صورة شديدة الوضوح لعلبة معدنية لا تصبح عظيمة لأن الكاميرا منحتها «دلالة كونية». في أعمال أوغست ساندر، على العكس، تعمل الصور في سلسلة. لا تُفهم الصورة منفردة فقط؛ موقعها بين الصور الأخرى يتيح ظهور النمط.


مرة أخرى نجد غوته: التجريب ليس اختبارًا لفرضية تقف وراء الظواهر، بل إنشاء سلسلة تجعل الظواهر نفسها نظرية. وهكذا يلتقي فتغنشتاين وبنيامين في واقعية لا تكتفي بنسخ المعطى ولا تضيف إليه ذاتية رومانسية.


إنها واقعية بنائية: نبني ترتيبًا كي نسمح لما هو موجود بأن يظهر كما لم نكن قادرين على رؤيته من قبل. لهذا فإن «ترك العالم كما هو» ليس سلبية. أحيانًا لا يوجد عمل أصعب من بناء المنظور الذي يسمح للعالم بأن يظهر دون أن نجبره على أن يصبح صورة لرغباتنا.


---


الفصل السابع


ما الذي يجعل القصيدة فلسفية؟


John Gibson


سأبدأ بالتشكيك في السؤال نفسه.


نحن نحب أن نقول عن قصيدة عظيمة إنها «فلسفية»، وكأن الفلسفة ختم الجودة الذي يمنح الشعر عمقه. لكن ماذا نكون قد قلنا بالفعل؟ يحذر نيتشه من التفسيرات التي تبدو عميقة لكنها ليست حتى سطحية، وفتغنشتاين يقدم لنا أدوات ممتازة لاكتشاف هذا النوع من الادعاءات.


سأستخدم فتغنشتاين لا لكي أثبت وجود «القصيدة الفلسفية»، بل لكي أرى لماذا قد يكون هذا التصنيف مضللًا من أساسه.


المشكلة التي تجمع فتغنشتاين بوالاس ستيفنز يمكن أن أسميها مشكلة العالم: كيف تستطيع اللغة أو الفكر أن تضعنا في اتصال مع واقع لا يكون مجرد بناء داخل الذات؟ الفلسفة الحديثة عرفت صورًا متعددة لهذه المشكلة: الواقعية، المثالية، البنائية، النسبية. ومع الرومانسية والحداثة أصبح الانفصال بين الذات والعالم يُعاش بوصفه فقدانًا، وأُعطي الفن أحيانًا مهمة إعادة الاتصال بما فقدناه.


ستيفنز مناسب بصورة خاصة لأن شعره منشغل بالعلاقة بين المخيلة والواقع. ولهذا أغرى عددًا من القراء بأن يسموه شاعرًا فتغنشتاينيًا.


يوجد طريقان لهذا الربط. الأول يمر عبر التراكتاتوس واللامعنى. والثاني يمر عبر التحقيقات وإعادة الكلمات إلى استعمالاتها اليومية.


في الطريق الأول نجد قراءة Rupert Read لقصائد مثل Thirteen Ways of Looking at a Blackbird. وفق هذه القراءة، تحاول القصيدة إغرائي ببناء معنى متماسك ثم تفشل محاولاتي، وبذلك تؤدي وظيفة شبيهة بلامعنى التراكتاتوس: تعلمني حدود ما يمكن أن أفكر فيه أو أقوله.


لكنني لا أقتنع. المشكلة أن هذه القراءة تعامل السطر الشعري كما لو كان قضية وصفية رديئة. وحين لا يستطيع السطر أن يقدم صورة منطقية واضحة، نعلن أنه «لامعنى». لكن لماذا كان ينبغي للقصيدة أصلًا أن تعمل كما تعمل الجملة التي تخبرني بحالة الطقس؟


فتغنشتاين نفسه يحذر من ذلك: القصيدة، حتى إن كانت مؤلفة من لغة تبدو معلوماتية، لا تُستخدم داخل لعبة لغة نقل المعلومات. عدم انتهائها إلى قضية محددة ليس فشلًا منطقيًا.


الفرق جوهري. قضايا التراكتاتوس تستطيع أن تُسمى لامعنى لأنها تعرض نفسها بوصفها قضايا فلسفية تقول لنا كيف ترتبط اللغة بالعالم، ثم يعلن الكتاب انهيار هذا الادعاء. أما قصيدة ستيفنز فلا تعدنا منذ البداية بنظرية عن الشحرور أو الواقع.


الطريق الثاني أكثر إثارة. فتغنشتاين المتأخر يرى أن المشكلات الفلسفية تنشأ عندما تنفصل الكلمات عن المواطن التي تعمل فيها؛ عندما «تذهب اللغة في عطلة». والعلاج ليس نظرية أقوى بل عرضًا واضحًا يعيد ترتيب ما نعرفه بحيث نرى الصلات.


هذه العروض الواضحة نفسها خيالية في كثير من الأحيان: البناؤون، صندوق الخنفساء، إبريق الشاي، التفاحات. إنها مشاهد مصنوعة تساعدنا على العودة إلى العالم الفعلي بطريقة جديدة. وهنا يمكن للشعر أن يبدو قريبًا جدًا من المشروع: قصيدة ستيفنز قد تبني مجالًا إدراكيًا يجعل العالم حاضرًا لنا من جديد.


لكن حتى هنا أرفض الاستنتاج السهل: إذن ستيفنز فيلسوف أفضل من الفلاسفة.


إذا قلت ذلك فأنا ما زلت أمنح الفلسفة السيادة، ثم أمدح الشعر لأنه نجح في أداء وظيفتها. لماذا أفترض أن المشكلة التي يشترك فيها الشاعر والفيلسوف «فلسفية» أصلًا؟ أسئلة الواقع والذات والموت واللغة ليست ملكًا للفلاسفة. إنها مادة ثقافية وإنسانية مشتركة يتعامل معها الشاعر والموسيقي واللاهوتي والفيلسوف بوسائل مختلفة.


لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يقوله فتغنشتاين عن ستيفنز قد يكون العكس مما نتوقع: قيمة الشعر ليست أنه يمنحنا فلسفة في صورة جميلة، بل أنه يكشف أن هناك طرقًا للعودة إلى العالم لا تمر بالنظرية الفلسفية أصلًا.


إذا حققت قصيدة ستيفنز لحظةً نشعر فيها بأن الكلمات والعالم والتجربة قد التقت، فلا ينبغي أن نطالبها بتحويل هذه اللحظة إلى حجة. إصرارنا على ذلك هو المرض نفسه.


لهذا أسمي حداثة فتغنشتاين «حداثة الواقع»: واقع لا يعود من السهل تمثيله لا بالنظرية ولا بالمحاكاة الفنية البسيطة، ولذلك يحتاج الفيلسوف والشاعر، كل بطريقته، إلى أشكال من التجريد تجعل حضوره ممكنًا.


ليس المطلوب دمج الشعر والفلسفة. المطلوب احترام المسافة بينهما.


---


الفصل الثامن


في حالة الحداثة: الفلسفة، الأدب، وThe Sacred Fount


Kristin Boyce


أبدأ من عبارة ستانلي كافيل التي تقول إن الفن الحداثي «يوجد في حالة الفلسفة». لفهم العبارة ينبغي ألا نعامل الحداثة بوصفها زمنًا أو مجموعة خصائص شكلية. العمل حداثي حين تصبح علاقته بماضي فنه مشكلة.


يصل الفنان إلى لحظة لا يستطيع فيها الاعتماد على القواعد التي كان العمل العظيم في الماضي يعتمد عليها. ليس لأنه يريد التمرد لمجرد التمرد، بل لأن القاعدة القديمة لم تعد تضمن معنى فنيًا حيًا. عليه أن يكتشف من جديد ما الذي يجعل ما يفعله رسمًا أو نحتًا أو رواية.


هذه هي الرؤية التي طورها كافيل ومايكل فريد انطلاقًا من غرينبرغ وبمساعدة فتغنشتاين، وسأسميها MCF.


غرينبرغ رأى الفن الحداثي يعود إلى شروط وسيطه: الرسم إلى سطح اللوحة مثلًا. لكن كافيل وفريد يرفضان فكرة أن إمكانات الوسيط معطاة سلفًا. الفنان يكتشفها في الإنجاز نفسه. لم يكن ممكنًا أن نعرف مسبقًا كل ما يمكن أن يكون نحتًا، ثم جاء عمل أنتوني كارو وأجبرنا على إعادة التفكير في مفهوم النحت.


وينطبق هذا على فتغنشتاين. ما الذي يجعل نصًا فلسفة؟ كنا نظن أن الفلسفة تقدم آراء وحججًا. ثم يأتي التحقيقات الفلسفية: ملاحظات، أصوات، أسئلة، مقارنات، حوارات، ولا نجد «نظرية» بالمعنى المألوف. ومع ذلك نعرف أننا أمام عمل فلسفي. إنجازه يجبرنا على إعادة التفكير في سبب اعتبارنا الحجج الفلسفية القديمة فلسفية أصلًا.


هذا يجعل العلاقة بين الأدب والفلسفة تبادلية. أحيانًا تحتاج الفلسفة إلى الأدب كي تستطيع الاستمرار، كما قد يحتاج الأدب إلى نوع من الاستقصاء الفلسفي كي يعيد اكتشاف إمكاناته. لكنني لا أريد أن أحل التوتر بينهما. عبارة «الحالة» تحتفظ بمعنيين: شرط إمكان، ومرض أو حالة نعاني منها. الفلسفة بالنسبة إلى الأدب قد تكون الاثنين معًا، والأدب بالنسبة إلى الفلسفة كذلك.


أختبر هذه الفكرة من خلال The Sacred Fount لهنري جيمس. الراوي يلاحظ تغيرات في مجموعة من الأشخاص، ثم يبني نظرية: بعض العلاقات الحميمة تعمل بطريقة شبه مصاصي الدماء؛ طرف يزداد شبابًا وحيوية لأن الطرف الآخر يُستنزف. يبدأ الراوي في جمع الأدلة والتحقق من فرضيته.


المشكلة أننا محبوسون تقريبًا داخل منظوره. توجد وقائع قليلة نستطيع قبولها مستقلين عنه، أما الباقي فيمر عبر وعيه. وهكذا تنشأ القراءة المعتادة: الرواية عن مشكلة اليقين؛ لا نستطيع معرفة هل نظرية الراوي صحيحة.


لكن كافيل يساعدني على الشك في ذلك. في تحليله للشك تجاه الآخرين يميز بين المعرفة والاعتراف. مشكلة الآخر ليست دائمًا نقص معلومة يمكن تعويضها بمزيد من الأدلة. قد أعرف أن الآخر يتألم، ومع ذلك أفشل في الاستجابة له. الفشل هنا أخلاقي وعلاقاتي، لا إبستمولوجي فقط.


وعندما نطبق هذا على جيمس، نلاحظ الفرق بين الراوي والمؤلف. كلاهما يعمل على المادة نفسها: العلاقات التي قد يستنزف فيها إنسان إنسانًا آخر. لكن الراوي يريد تحويلها إلى نظرية وجمع علامات تثبتها. أما جيمس فلا يريد إعطاء القارئ معلومة سرية عن العلاقات الإنسانية؛ يريد أن يجعلنا نعترف بإمكان مؤلم نعرفه مسبقًا: أن الحميمية نفسها يمكن أن تصبح مجالًا للأخذ والاستنزاف وعدم التكافؤ.


عمل المؤلف إذن ليس عمل العالم الرديء أو العالم الممتاز. إنه نوع آخر من العمل.


وهذا يساعد الفلسفة بدوره. حين يقول فتغنشتاين «لا تفسر، بل صف»، قد يبدو البديل للنظرية هو عدم فعل شيء. جيمس يساعدنا على رؤية أن عدم بناء نظرية لا يعني الخمول. يستطيع المرء أن يقوم بعمل فكري شديد التعقيد هدفه تغيير ما نستطيع الاعتراف به، لا إضافة فرضية جديدة.


لكن هنا يجب الحذر. ليس الحل أن نقول: إذن الفلسفة أدب. سيكون ذلك مجرد قلب لموقف كارناب الذي أراد فصل الفلسفة عن الفن. قربهما الحقيقي لا يلغي اختلافهما.


بل إن جيمس نفسه يكشف خطرًا فلسفيًا أشد عمقًا: الحياة المفحوصة يمكن أن تمرض من فرط الفحص. شخصياته التي تراقب نفسها بلا توقف قد تستنزف حياتها بالمراجعة والتحليل. معرفة الذات ليست قيمة آلية؛ يمكن أن تتحول إلى شكل من الاعتداء على الذات.


لذلك تبقى الفلسفة والأدب قريبين ومتعارضين في آن. كل واحد منهما يستطيع إنقاذ الآخر من صورة فقيرة عن نفسه، وكل واحد منهما يستطيع أيضًا أن يصبح بالنسبة إلى الآخر حالة يحتاج إلى الشفاء منها. وهذه ليست مشكلة يجب حلها نهائيًا؛ إنها جزء من «حالة الحداثة» نفسها.


---


الفصل التاسع


العالم كما وجده بلوم: «إيثاكا»، التراكتاتوس، والبحث المتكرر عن حلول مشكلات الحياة


Karen Zumhagen-Yekplé


لماذا أضع التراكتاتوس بجوار فصل «إيثاكا» من Ulysses؟


للوهلة الأولى لا يكاد يوجد نصان أبعد: أحدهما عمل فلسفي مقتضب وبارد ومُرقّم، والآخر فصل روائي ساخر مكتوب في هيئة سؤال وجواب تشبه التعليم المسيحي. لكن هذا البعد هو الذي يسمح برؤية القرابة.


أنا أقرأ التراكتاتوس وفق الاتجاه «الحازم» المرتبط بكورا دايموند وجيمس كونانت. وفق هذه القراءة، الكتاب لا يقدم في النهاية نظرية ناجحة عن العلاقة بين اللغة والعالم ثم يضيف إليها بعض الغموض الأخلاقي. قضاياه التي تبدو كأنها تبني مذهبًا تُسحب من تحت أقدام القارئ في النهاية. المطلوب ليس الاحتفاظ بالنظرية بل المرور عبرها حتى تتغير علاقتنا بالحاجة إلى مثل هذه النظرية.


من هنا أتعامل مع التراكتاتوس بوصفه لغزًا حداثيًا. شكله جزء من التربية التي يمارسها على القارئ. الصعوبة النصية مرتبطة بصعوبة الحياة: البحث عن معنى، والرغبة في التحول، والتطلع إلى إجابات نهائية ثم اكتشاف عدم كفايتها.


وهذه هي أيضًا بنية «إيثاكا». يستخدم جويس أسلوبًا شبه علمي، رياضي، تعليمي، لكي يعالج البيت والجسد والماء والنجوم والزواج والروح والموت. ويظهر النص كما لو أن سلسلة الأسئلة ستقود في النهاية إلى جواب شامل. لكنها لا تفعل.


الشكل التعليمي المسيحي، أو الكاتيشيزم، مهم جدًا. تاريخيًا هو بنية سؤال وجواب لا تترك مجالًا كبيرًا للارتجال: لكل سؤال جواب معروف، وإتقان الطالب يعني قدرته على إعادة الجواب الصحيح. يأخذ جويس هذه الآلة المصممة لإغلاق السؤال ويستخدمها لفتح الأسئلة بلا نهاية.


إنه ينتحل صوت المعرفة الكاملة لكي يكشف عجز أنظمة المعرفة المغلقة عن إشباع الرغبة التي جعلتنا نسأل أصلًا.


لهذا أسمي استراتيجية العملين مضادة للإشراق المفاجئ أو counterepiphanic. لا يصل القارئ إلى لحظة واحدة ينكشف فيها معنى الحياة دفعةً واحدة. لدينا بدلًا من ذلك بحث متكرر، تصحيح، عودة، تعثر، إجابة تصلح لجزء من السؤال ولا تصلح للكل.


جويس ليس مهتمًا بأن يخبرنا أخيرًا بما سيحدث لبلوم ومولي وستيفن. ما يعرضه هو تعدد الطرق التي نستطيع بها أن نقترب من الحقيقة أو نؤجلها أو نهرب منها أو نعيد صياغتها. والبحث نفسه يصبح أهم من امتلاك النهاية.


هنا يدخل مفهوم فتغنشتاين عن «العالم السعيد». الإرادة الجيدة أو السيئة، كما يقول التراكتاتوس، لا تغير وقائع العالم، بل حدوده. «عالم السعيد مختلف عن عالم الشقي». ليست المسألة أن السعيد حصل على وقائع أفضل؛ تغيرت علاقته بما يحدث.


بلوم مثال أدبي غير متوقع لهذا الموقف. حياته ليست منتصرة. يعرف الخيانة والفقد والحدود، ولا يملك جوابًا عن الوجود. لكنه يستطيع أن يصل إلى قدر من الاتزان والفكاهة والفضول والتواضع. لا يتوقع أن تنحني وقائع العالم لإرادته.


وهذا السلام لا يأتي بوصفه خلاصًا نهائيًا. المشاكل باقية. بلوم يستطيع فقط أن يتوقف عن السؤال لبعض الوقت، يذهب إلى فراشه، وينام.


هنا تتصل رحلة جويس بتطور فتغنشتاين نفسه. في التراكتاتوس ما زالت صورة السلم قائمة: نصعد ثم نلقي السلم ونرى العالم رؤية صحيحة. حتى لو كانت غاية السلم التخلص من الوهم، تظل فيه صورة صعود نحو وضوح نهائي.


لاحقًا يرفض فتغنشتاين هذه الصورة بقوة. إذا كان المكان الذي أريد الوصول إليه لا يمكن بلوغه إلا بسلم، يقول، فسأتخلى عنه؛ لأن المكان الحقيقي الذي ينبغي الوصول إليه هو مكان أنا فيه بالفعل الآن.


في التحقيقات لا توجد طريقة فلسفية واحدة، بل طرائق تشبه العلاجات المختلفة. مشكلة بعينها تنحل، ثم نتوقف، وبعد ذلك قد تظهر مشكلة أخرى. لا يوجد صعود أخير فوق الحالة الإنسانية.


وهذا بالضبط ما يفعله بلوم. قد ينظر إلى النجوم، لكنه لا يغادر الأرض. يعود إلى البيت. الوضوح عنده ليس تجاوزًا لعدم الكمال بل قبولًا بالحياة من داخله.


لهذا ينتهي «إيثاكا» لا بحقيقة كبرى، بل بنقطة، ثم صمت.


قد يكون حل مشكلة الحياة، بالنسبة إلى بلوم وفتغنشتاين معًا، أقل شبهاً بالعثور على الجواب وأكثر شبهاً بالوصول إلى اللحظة التي نستطيع فيها أن نكف عن مطالبة الحياة بأن تعطينا جوابًا من النوع الذي تصورناه.


---


الفصل العاشر


محاضرات في الأخلاق: فتغنشتاين وكافكا


Yi-Ping Ong


سأضع «محاضرة في الأخلاق» لفتغنشتاين إلى جانب «تقرير إلى أكاديمية» لكافكا. كلا النصين يتخذ شكل مناسبة تعليمية، وفي كليهما يتحدث شخص إلى جمهور يُفترض أنه جاء ليتعلم. لكن شيئًا غريبًا يحدث: يصل الخطاب إلى حدود ما لا يستطيع التعليم تقديمه.


لا أريد تفسير هذا أساسًا بوصفه تعبيرًا عن «أزمة اللغة» في فيينا. المشكلة أعمق: كيف يتعرف الإنسان إلى موقعه داخل شكل من أشكال الحياة؟ القفص والحد والاصطدام بالجدار صور لا تدل فقط على قصور اللغة؛ إنها تدل على الصعوبة التي نواجهها حين نحاول الخروج من الشروط التي تجعل كلامنا وحياتنا ممكنين أصلًا.


تبدأ محاضرة فتغنشتاين بإفساد توقعات الجمهور. يقول إنه لن يقدم لهم محاضرة علمية شعبية تجعلهم يتوهمون أنهم فهموا موضوعًا معقدًا في ساعة واحدة. هنا تختلط المعرفة بالترفيه، ويظهر في المحاضرة الحديثة جمهور يريد أن يشعر بأنه تعلم شيئًا.


لكن ماذا عن الأخلاق؟ هل يمكن فهمها في ساعة؟


المفارقة أن فتغنشتاين لا يضع «العلم» و«الأخلاق» ببساطة بوصفهما موضوعين مختلفين. الصراع الحقيقي بين ما يريده الجمهور وما يريد المتكلم قوله. الجمهور ينتظر معرفة؛ والمتكلم يريد أن يبلغ شيئًا يخص معنى الحياة ولا يمكن تحويله إلى معلومة.


لهذا تصبح صيغة المتكلم مهمة بصورة استثنائية. لا يقول في النهاية: «لقد أثبتُّ أن القيم المطلقة لا توجد». يقول إن ميل الإنسان إلى الاندفاع نحو حدود اللغة في الكلام عن الأخلاق والدين ميل يحترمه احترامًا عميقًا.


إنه ينتقل من التقرير العام إلى الإقرار الشخصي.


هذه ليست ذاتية انعزالية. فتغنشتاين لا يقول إن لدي تجربتي الخاصة التي يستحيل عليكم فهمها. بل يطلب من جمهوره منذ البداية أن يساعده على إيصال معناه. المتكلم يحتاج إلى المستمع. لكن المستمع لا يستطيع أن يُجبر منطقيًا على الاستجابة المناسبة.


هنا يصبح الصوت الأخلاقي هشًا.


مثال «كتاب العالم» يوضح ذلك. لنفترض إنسانًا يعرف كل الوقائع: كل حركة جسم وكل حالة عقلية، ثم يكتبها جميعًا. حتى هذا الكتاب الكامل لن يحتوي، بصفته سجلًا للوقائع، على حكم أخلاقي. وصف جريمة قتل من حيث الوقائع يمكن أن يقع على الصفحة نفسها التي يقع عليها وصف سقوط حجر.


المشكلة ليست أن الجريمة لا تختلف عن سقوط الحجر. المشكلة أن اختلافها الأخلاقي لا يظهر بمجرد إضافة مزيد من الوقائع.


ولهذا تدخل مسألة الشهادة والاعتراف. يمكن للآخر أن يفهم كل ما قلته من وقائع، ومع ذلك يرفض الدلالة التي أحاول أن أبلغه إياها. لا يوجد برهان يجعل اعترافه مضمونًا. اللغة الأخلاقية تعتمد على مشاركة بشرية لا تستطيع المنطقية أن تفرضها.


كافكا يجعل هذا كله دراما.


القرد «ريد بيتر» يقف أمام الأكاديمية ليقدم تقريرًا عن حياته السابقة. لكنه يبدأ بإخبارهم أنه لا يستطيع تنفيذ طلبهم. لكي يصبح قادرًا على الكلام أمامهم كان عليه أن يبتعد عن حياته القردية حتى لم يعد يستطيع العودة إليها.


تعلّم لغة البشر كان في الوقت نفسه خروجًا من قفص ودخولًا في قفص آخر.


ليس «التحول إلى إنسان» هنا قصة تقدم مريحة. لقد أُسر وجُرح ودُرّب وأُجبر على العثور على «مخرج». وهو يميز المخرج من الحرية: لم يختر الحرية؛ اختار الطريق الوحيد الذي يسمح له بالبقاء.


والأكثر قسوة أن الجمهور يريد منه عرضًا. ينتظر قصة القرد العجيب الذي أصبح إنسانًا. لكنه يقلب المسرح عليهم. بدل أن يقدم لهم معرفتهم بالقردة، يقدم لهم معرفته بالبشر. وبذلك يتحول المتفرجون أنفسهم إلى موضوع التقرير.


القفص لم يعد خلف القضبان فقط؛ أصبح شكل العلاقة بين المتكلم والجمهور.


وفي النهاية يقول ريد بيتر إنه لا يطلب حكمًا بشريًا، وإنه «يقدم تقريرًا» فقط. لكن قبول كلامه بوصفه تقريرًا محايدًا سيكون بالضبط طريقة أخرى لعدم سماعه. فكل كلمة قالها تحمل أثر الجرح الذي جعل صوته ممكنًا.


إذا كان نص كافكا «محاضرة في الأخلاق»، فليس لأنه يعلم قاعدة أخلاقية. إنه يجعل شكل المحاضرة نفسه ينهار أمام السؤال الأخلاقي. هل أستطيع أن أبقى متفرجًا محايدًا أمام معاناة الآخر؟ وهل يمكنني أن أميز نفسي تمامًا عن القفص الذي يصفه؟


لا يعطينا كافكا الجواب. وكذلك فتغنشتاين لا يستطيع أن يلقي علينا «معرفة أخلاقية» تجعلنا صالحين.


النصان يجبران الجمهور على ترك مقعد المتفرج.


فالجواب الأخلاقي، إن وُجد، لا يمكن أن يُلقى علينا من منصة المحاضر.


---


الفصل الحادي عشر


لغة بيلو الخاصة


Michael LeMahieu


شخصيات سول بيلو تتكلم مع نفسها بلا توقف. تسأل نفسها وتجيب، تأمر نفسها، تلومها، تعاقبها، وتعيد محاكمتها. وهذا يجعل رواياته مكانًا مناسبًا بصورة استثنائية لقراءة ما يسميه فتغنشتاين «اللغة الخاصة».


لكن يجب أولًا إزالة سوء فهم. اللغة الخاصة عند فتغنشتاين ليست مجرد حديث الإنسان مع نفسه، وليست شيفرة سرية لا يعرفها الآخرون. يستطيع شخص آخر تعلم الشيفرة. المقصود لغة تشير كلماتها إلى أحاسيس لا يستطيع، من حيث المبدأ، أن يعرفها إلا صاحبها، بحيث يكون معنى الكلمة قائمًا على المحتوى النفسي الخاص الذي لا يستطيع الآخر الوصول إليه.


في البداية يبدو هذا عكس صورة أوغسطين: هناك تشير الكلمات إلى أشياء خارجية؛ وهنا تشير إلى أشياء داخلية. لكن فتغنشتاين يريد إظهار أن الصورة الثانية لا تنجح كلغة.


وهذه هي المشكلة التي تتحول عند بيلو إلى بنية روائية. شخصياته محاصرة داخل الوعي الفردي، بينما تريد في الوقت نفسه أن تستعيد «إنسانية مشتركة». إن المونولوج الذي يمنحها صوتها هو كذلك العائق الذي عليها تجاوزه.


وهنا أفترق بين فتغنشتاين وبيلو. فتغنشتاين يصل إلى أن مفهوم اللغة الخاصة نفسه غير متماسك. بيلو يقترب مرارًا من هذه النتيجة، لكنه يتراجع عند اللحظة الأخيرة. يحتاج الروائي إلى الاعتقاد بأن هناك شيئًا فرديًا عصيًا على الاختزال، «روحًا حقيقية» أو إحساسًا خاصًا، يمكن للأدب أن يحاول القبض عليه.


من المثير أن سنة 1953 شهدت ظهور التحقيقات الفلسفية وThe Adventures of Augie March. كلاهما أحدث انقلابًا أسلوبيًا بالنسبة إلى عمل صاحبه السابق. فتغنشتاين ترك صورة اللغة المثالية التي ارتبطت باستقبال التراكتاتوس واتجه إلى الممارسة اليومية. وبيلو ترك الصرامة التي ميزت روايتيه الأوليين وأطلق صوت أوجي العامي الحر.


لكن التشابه الأسلوبي يخفي اختلافًا. في التحقيقات لا يستطيع صوت «أنا» أن يستقر وحده؛ يوجد دائمًا مخاطَب واعتراض و«أنت». وجود المحاور يجسد حجة الكتاب نفسها: الاستعمال اللغوي يفترض مجالًا اجتماعيًا. الـ«أنا» تحمل معها إمكان الـ«نحن».


أما عند بيلو فالصوت الفردي يظل ممزقًا بين الرغبة في التحرر والرغبة في العثور على رابطة مشتركة.


في Dangling Man يكتب جوزيف يومياته لأنه يرفض القانون الثقافي الذي يطلب من الرجل أن يخنق مشاعره. يريد تسجيل «معاملاته الداخلية». لكن اليوميات، بمجرد أن تصبح رواية، فعل علني. محاولة التعبير عن الخاص تضعه فورًا داخل المجال العام.


وهكذا تظهر المفارقة منذ البداية: كيف أقول ما هو خاص بي بلغة لا تكون لغتي وحدي؟


العزلة الجسدية لجوزيف تقابلها عزلة ميتافيزيقية. ينظر إلى المدينة ويسأل عن العلامة التي تثبت وجود «إنسانية مشتركة» خلف البيوت والإعلانات والجرائم والأعمال. يريد خاصية خفية تضمن أن الآخرين وهو ينتمون في العمق إلى شيء واحد.


وهذا بالضبط نوع «الخنفساء في الصندوق» الذي يفككه فتغنشتاين. إذا كان لكل شخص صندوق لا يستطيع الآخر فتحه، وكان الجميع يستخدمون كلمة «خنفساء»، فإن محتوى الصندوق لا يستطيع أن يكون ما يحدد الاستعمال العام للكلمة. قد تكون الصناديق مختلفة أو فارغة، ومع ذلك تعمل الكلمة.


ليست الإنسانية المشتركة في جوهر سري داخل كل واحد منا يضمن اللغة؛ اشتراكنا في اللغة والممارسة هو الذي كان حاضرًا من البداية.


جوزيف لا يستطيع قبول هذا بسهولة. إنه يصر مرةً على ضرورة الإنسانية المشتركة، ثم يشك فيها. بل إنه ينقسم على نفسه: «جوزيف» القديم يصبح شخصية ينظر إليها «أنا» الحالي من الخارج. ثم يخلق محاورًا داخليًا يناقشه.


وهذه محاولة روائية لإدخال الحوار إلى المونولوج. لكنها تكشف أكثر مما تحل: حتى حين أبتكر «آخرًا» داخل نفسي، فإن اللغة التي أستخدمها جاءت من عالم اجتماعي. وحين أعلن اغترابي عن العالم، فإن اللغة التي أعلن بها الاغتراب دليل على أن العالم موجود داخلي أصلًا. «إنكارك نفسه يورطك».


في Seize the Day تصبح المشكلة أكثر حدة. يشعر تومي فيلهلم بأن كل إنسان يتكلم لغة صنعها بتفكيره الخاص، حتى إن طلب كأس ماء يحتاج إلى ترجمة تاريخ العالم كله. هذا جحيم عدم الفهم.


ومع ذلك يمر بلحظة معاكسة تمامًا: وسط أشخاص مشوهين ومتعبين في نفق، ينفجر في داخله حب غير مطلوب لهم جميعًا. يشعر بأنهم إخوته وأخواته. إنه اتصال لا يأتي بوصفه استدلالًا بل بوصفه اندفاعًا عاطفيًا.


لكن ما إن تختفي اللحظة حتى تبدأ المشكلة: كيف يعود إليها؟ كيف يعرف أن الشعور الذي سيستعيده غدًا هو الشعور نفسه؟ وكيف يجعل تجربة خاصة معيارًا لحياته المقبلة؟


هنا تتقاطع الرواية مع مشكلة اتباع القاعدة واللغة الخاصة. الإحساس الذي يريد الاعتماد عليه عابر وغير إرادي. وإذا كان لا يستطيع الرجوع إليه إلا من خلال ذاكرته وكلماته، فكيف يضمن أن «هذا» الذي يستعيده هو «ذاك» نفسه؟


بيلو لا يحل المشكلة. رواياته تحتاج إليها.


وحين يسأل فيلهلم نفسه إن كان يحب أباه، يظهر شيء فيه لا يستطيع تسميته. يتوقف الكلام، ثم يستخدم الراوي صورة السمكة التي تضرب الخيط؛ هناك «قوة حية» ظهرت ثم أفلتت. الشيء لا يكشف نفسه.


هذه الـ«هي» المراوغة — الشعور، الروح الحقيقية، الصلة الإنسانية — هي ما يستمر بيلو في البحث عنه. ورواياته بارعة في وصف العالم العام والمادي، لكنها في نهاياتها تعود مرارًا إلى التأكيد على شيء باطني لا تستطيع تحديده.


في نهاية Seize the Day يبكي فيلهلم أمام جثة رجل غريب حتى يتجاوز الكلمات والعقل والتماسك. وفي نهاية أعمال أخرى يظهر التأكيد نفسه على رابطة داخلية أو عقد يعرفه الإنسان في أعماقه.


وهنا تنكشف المسافة النهائية بين بيلو وفتغنشتاين.


فتغنشتاين يعرض لنا اللغة الخاصة بوصفها صورة تأسرنا، ثم يعمل على تحريرنا منها. أما بيلو فيعرف قوة الأسر، ويمثلها ببراعة، لكنه بوصفه روائيًا لا يستطيع التخلي عنها. يحتاج إلى الاعتقاد بوجود فردية لا تستنفدها اللغة العامة، وإلا خشي أن تضيع «الروح الحقيقية» ومعها تفرد الكاتب نفسه.


لهذا يضيء كل منهما الآخر. فتغنشتاين يكشف لماذا تستمر شخصيات بيلو في مطاردة شيء لا تستطيع تثبيته، وبيلو يكشف السبب الثقافي والوجودي الذي يجعل التخلي عن هذا الوهم مؤلمًا إلى هذا الحد.


في عالم الحداثة يصبح الشك في العمق نفسه جزءًا من الحياة. فتغنشتاين يقاوم جنون البحث عن الجوهر الخاص بإظهار أن لغتنا مشتركة في جذورها؛ أما بيلو، وهو يرى الخطر نفسه، فيستمر في البحث عن ذلك الشيء داخل الصندوق.


وهنا ينتهي الاختلاف: فتغنشتاين يريد أن يحررنا من إغراء اللغة الخاصة؛ بيلو لا يستطيع، وربما لا يريد بوصفه روائيًا، أن يتخلى تمامًا عن إغرائها.هذه الصياغة تحافظ على اختلاف أطروحة كل مؤلف بدل تحويل الفصول الأحد عشر إلى شرح واحد لفتغنشتاين. وأهم ما يظهر من الكتاب أن كلمة «الحداثة» نفسها تتغير وظيفتها من فصل إلى آخر: مرةً أزمة تمثيل، ومرةً تحول حياة، ومرةً حرفة، ومرةً استعادة للعادي، ومرةً مشكلة في العلاقة بين الأدب والفلسفة.

تعليقات

المشاركات الشائعة