سيرةُ عقل
سيرةُ عقلٍ
في مديحِ الضياعِ المنظَّم
كيف ضللتُ طويلًا بين الأفكار، حتى فهمتُ أنّ الضلالَ نفسَه يحتاج إلى مركز
تمهيد: في أنّ السيرة قد تُكتَب بالأسئلة لا بالسنوات
ثمّة نوعان من السِّيَر. سيرةٌ تُروى بالأمكنة والوظائف والتواريخ، فتُجيب عن سؤال: أين كنتَ؟ وسيرةٌ أخرى، أندر وأصعب، تُروى بالأسئلة التي سكنتْ صاحبَها، فتُجيب عن سؤال أشدّ إحراجًا: أين كان عقلُك حين كان بدنُك هناك؟
ما أكتبه هنا من النوع الثاني.
لم أعد أرى ما قرأتُه وما أحببتُه وما انشغلتُ به بوصفه لائحةَ اهتمامات، أي بوصفه مجموعةَ أشياء تجاورتْ في رأسي بالمصادفة. حين أنظر إليه الآن من مسافةٍ كافية — والمسافة شرطُ كلّ فهمٍ للذات — أراه أقربَ إلى تكوين: إلى سلسلةٍ من الانقلابات الداخلية، كلُّ واحدٍ منها غيّر ليس فقط ما أعرفه، بل الطريقةَ التي أعرف بها، بل والطريقةَ التي أرى بها نفسي وأنا أعرف.
وهذا هو الفرق الجوهري بين المعلومة والتكوين. المعلومة تُضاف إلى الرصيد؛ أمّا التكوين فيُعيد ترتيب الرصيد كلَّه، وأحيانًا يُلغي عملةً كانت متداولة فيه.
عشتُ زمنًا طويلًا وأنا أظنّ أنّ اتّساع الاهتمام قوّةٌ مطلقة، وأنّ الفضول فضيلةٌ لا تحتاج إلى تربية، وأنّ كلّ بابٍ يُفتح مكسبٌ صافٍ. أردتُ الفلسفة والرياضيات والمنطق والدين وعلم اللغة، وأردتُ أن أبرمج وأترجم وأرسم، وأن أتتبّع تاريخ الأفكار من اليونان إلى كانط وهيغل وفتغنشتاين وهايدغر، ثم أعود إلى مسألةٍ في فلسفة الرياضيات، أو إلى كتابٍ في العلم، أو إلى نصٍّ في الإيمان.
لم تكن المشكلة أنّ هذه الأشياء لا تستحقّ. المشكلة، بكلّ بساطةٍ قاسية، أنّها كلَّها تستحقّ.
حين تكون أمامك أبوابٌ كثيرة رديئة، يكون الاختيار حكمًا؛ وحين تكون الأبوابُ كلُّها جميلة، يصير الاختيارُ جرحًا. لأنّك في الحالة الأولى تُقصي ما لا قيمة له، وفي الثانية تُقصي ما له قيمة، وتعرف أنّك تُقصيه، وتعرف أنّك لن تعود إليه.
ومع الوقت بدأتُ أفهم شيئًا لم يخطر لي في البداية: أنّ الشغف نفسه يحتاج إلى تربية، وأنّ الفضول متروكًا بلا نظامٍ لا يقود بالضرورة إلى المعرفة، بل قد يقود إلى شكلٍ راقٍ جدًّا من الضياع: مكتبةٌ تكبر، وأسئلةٌ تتضاعف، ومشاريعُ تبدأ ولا تُختَم، ومساراتٌ تتفرّع كشجرةٍ لا جذعَ لها — بينما يبقى السؤال الأشدّ قسوةً معلّقًا فوق كلّ ذلك:
ماذا أريد أنا من كلّ هذا؟
هذه الصفحات محاولةٌ للإجابة. أو، على نحوٍ أدقّ، محاولةٌ لأنْ أعرف لماذا لم أستطع الإجابة زمنًا طويلًا.
الفصل الأول: كانط، أو تربيةُ شهيّة العقل
دخل كانط حياتي لا بوصفه فيلسوفًا بين فلاسفة، بل بوصفه سلطةً نقديةً أعادت تعريف معنى التفكير عندي من أساسه.
قبل كانط، يبدو السؤال الفلسفي بريئًا وواضحًا: ما الحقيقة؟
بعد كانط يصير السؤال أكثر إزعاجًا بمراتب: بأيّ حقٍّ تزعم أنّك قادرٌ على معرفتها؟
هذا التحويل — من السؤال عن الموضوع إلى السؤال عن شرعية السؤال — هو ما أسمّيه الآن الانقلاب الأول في تكويني. فالفلسفة قبله بحثٌ عن أجوبة، وبعده محاكمةٌ للجهاز الذي ينتج الأجوبة. لم يعد العقلُ عندي نافذةً شفّافة تُطلّ على العالم كما هو، بل صار طرفًا فاعلًا، مشتغلًا، مُنشِئًا لصورة التجربة نفسها. الزمانُ والمكان لم يعودا ظرفَين خارجيَّين تقع فيهما الأشياء، بل صورتَين قبليّتَين تنتظم من خلالهما خبرتُنا كلُّها. والمقولات لم تعد مصطلحاتٍ مدرسية تُحفظ، بل شروطًا تجعل تجربةً منظّمةً ممكنةً أصلًا.
وهنا تكمن الفكرة التي أحتاج إلى الوقوف عندها طويلًا: النظام الذي نجده في العالم ليس كلُّه هبةً من العالم. جزءٌ منه أثرُ يدنا نحن. حين أعرف، فأنا لا أنسخ الواقع؛ أنا أُشكّله بشروطي، ثم أجد فيه شروطي فأظنّها فيه.
لكنّ الأعمق من هذه النظرية درسٌ آخر تعلّمتُه من كانط، وأحسبه أثمن ما أخذتُ منه: علّمني أن أرتاب في شهية العقل نفسه.
فالعقل لا يقنع بما يُعطى له. طبيعته أن يطلب التمام، وأن يصعد من المشروط إلى غير المشروط، وأن يريد الكلمةَ الأخيرة. ولذلك يتحدّث عن النفس والعالم والله كما لو كانت موضوعاتٍ موضوعةً أمامه على طاولة، بينما هي في الحقيقة أفقٌ لا مضمونٌ، ومَطلبٌ لا معطى. وهنا يرفع كانط يده: توقّف. ليس كلُّ ما يمكن التفكير فيه يمكن معرفتُه.
وأجمل ما في هذا التحذير أنّه ليس نهيًا تعسفيًّا من خارج، بل تشخيصٌ من داخل: كانط لا يقول إنّ العقل يخطئ بالصدفة، بل إنّ فيه ميلًا بنيويًّا إلى تجاوز حدوده، وإنّ الوهم الميتافيزيقي ليس زلّةً عارضة بل عَرَضًا طبيعيًّا لصحّةٍ مفرطة. العقل يمرض من فرط عافيته.
كان لهذا الحدّ أثرٌ عميق فيّ. منحني شيئًا كنتُ أحتاجه دون أن أعرف اسمه: التواضع المعرفي. لا التواضع بوصفه خُلقًا اجتماعيًّا لطيفًا، بل بوصفه موقفًا معرفيًّا صارمًا: أن يكون امتناعُك عن الحكم أحيانًا أكثر عقلانيةً من حكمك.
لم يعد الجهل عيبًا في كلّ الأحوال. صار أحيانًا أدقَّ ما يمكن قوله. فالاعتراف بحدود المعرفة أشرفُ عقلًا من بناء قصرٍ ميتافيزيقيّ فوق أرضٍ رخوة لا تحتمل أساسه.
على أنّني تعلّمتُ لاحقًا أن أرى الوجه الآخر لهذا الدرس. فالحدّ الذي يحمي قد يخنق. ومن يُفرط في سؤال «بأيّ حقّ؟» قد ينتهي عاجزًا عن قول أيّ شيء، متحوّلًا من ناقدٍ إلى موظّفٍ في دائرة الترخيص المعرفي، يفحص أوراق كلّ فكرةٍ قبل أن يسمح لها بالدخول، حتى لا يدخل أحد. النقدُ حين يصير عادةً بلا موضوع، يتحوّل إلى شللٍ أنيق.
ولهذا بقي كانط عندي أكثر من فيلسوف: صار انضباطًا داخليًّا، وصوتًا يسألني كلّما انجرفتُ خلف فكرةٍ مدهشة: ما شروط إمكان هذا القول؟ ومن أين لك أنّه ممكن؟
لكنّه صار كذلك أوّلَ من احتجتُ أن أتحرّر منه قليلًا، لأتنفّس.
الفصل الثاني: هيغل، أو إغراءُ أن يكون لكلّ شيءٍ معنى
ثم جاء هيغل، وفعل بعقلي ما يفعله البحر بمن اعتاد المشي على اليابسة.
إذا كان كانط قد علّمني الوقوف عند الحدّ، فإنّ هيغل أغراني بسؤالٍ أشدّ خطورة: ومن قال إنّ هذا الحدّ نهائي؟ بل من قال إنّ الحدّ يمكن أن يُرسم أصلًا من دون أن يكون قد جُووِز في اللحظة نفسها؟ فأنت لا تستطيع أن تعرف أنّ هذا حدٌّ إلّا إذا كنتَ قد أطللتَ، ولو بطرف الفكر، على ما وراءه.
هذه الملاحظة وحدها كفيلةٌ بزعزعة البناء الكانطي من داخله. وهي أوّل ما جذبني إلى هيغل: أنّه لم يعترض على كانط من الخارج، بل من داخل منطقه.
في هيغل وجدتُ فكرًا لا يقبل الأشياء منفصلة: الفرد والتاريخ، الدين والفلسفة، الفنّ والسياسة، الوعي والعالم، السيّد والعبد، الحرّية والضرورة. كلُّ شيءٍ يتحرّك داخل كلٍّ أكبر، وكلُّ مفهومٍ يحمل في جوفه نقيضَه، ويُدفع بهذا التوتّر إلى صورةٍ أعلى تحفظه وتُلغيه في آن.
وكان ذلك مدهشًا حقًّا. هيغل لا يشرح فكرةً واحدة؛ هو يريد أن يريك كيف تولد الفكرة من ضدّها، وكيف يصير التناقض لحظةً في حركةٍ أوسع لا عطبًا في التفكير، وكيف لا يكون التاريخ تراكمَ وقائع بل مسارًا تنكشف فيه الحرّيةُ لنفسها تدريجيًّا، لا لأنّ أحدًا خطّط لذلك، بل لأنّ العقل يشتغل في التاريخ من وراء ظهور الفاعلين فيه.
وأنا لم أقرأ هيغل من بعيد، ولم أكتفِ بالحكم عليه من ملخّصاته — وهي أسوأ ما كُتب عنه. حاولتُ أن أدخل إلى منطقه الداخلي، وأن أفهم لماذا يبدو ما يكتبه، رغم غرابته الأولى، متماسكًا إذا قبلتَ بنيته من الداخل. وفي لحظاتٍ كثيرة شعرتُ أنّني أمام مفكّرٍ يملك بناءً طويل النَّفَس فعلًا، لا مجرّد عباراتٍ غامضةٍ تتناثر بلا نظام. الغموض عنده ليس زخرفًا، بل ثمنُ محاولةٍ لقول شيءٍ لا تحتمله اللغة الجارية.
ثم إنّ فيه بصيرةً غيّرت نظرتي إلى الخطأ نفسه: الخطأ ليس نقيض المعرفة، بل مرحلةٌ فيها. ما كان يبدو لي فشلًا في الفهم صار يبدو لحظةً ضرورية في طريقه. وهذا وحده يعيد تأهيل تاريخ الفلسفة كلّه: لم تعد المذاهب السابقة أخطاءً يجب دفنها، بل محطّاتٍ لا يمكن للفكر أن يصل إلى ما وصل إليه من دون المرور بها.
لكنّ هذه القوّة نفسها كانت موضع شكّي.
فالنسق الذي يفسّر كلّ شيء يهدّد دائمًا بأن يبتلع الأشياء في داخله. وحين يصير التاريخ عقلانيًّا، ماذا نصنع بالمأساة؟ وحين يصير التناقض لحظةً ضروريةً في تطوّر الروح، ماذا نصنع بالضحايا الذين لم يكونوا «لحظات» بل بشرًا، ولم يُسألوا إن كانوا يرضون أن يكونوا وقودًا لمعنى سيتحقّق بعدهم بقرون؟ إنّ أخطر ما في فلسفات التاريخ الكبرى أنّها تمنح الألم وظيفة؛ وحين يصير للألم وظيفة، يسهل احتماله — لكن على من؟ عادةً على من لا يتألّم.
ثمّ إشكالٌ منطقيّ أعمق: حين يستطيع النسق أن يستوعب الاعتراض عليه بوصفه لحظةً داخله، فكيف يبقى الاعتراضُ ممكنًا من خارجه؟ نسقٌ لا يمكن تكذيبه لأنّه يهضم كلّ نقدٍ ويحوّله إلى غذاء، يشبه في هذا الوجه ما ننتقده في العقائد المغلقة، مهما بلغت عبقريته.
ولهذا أحببتُ هيغل، ولم أسلّمه مفاتيح البيت.
أدخل إليه، وأتعلّم منه النَّفَس الطويل والقدرة على رؤية الروابط حيث يرى غيري أشياء متناثرة، وأُفتَن بقوّته — ثم أبحث عن الباب قبل أن يُغلَق.
الفصل الثالث: فتغنشتاين، أو الارتيابُ في نحو المشكلة
بعد كانط وهيغل، كان لا بدّ أن يأتي من يحمل مطرقةً صغيرة، ويطرق بها لا على الأجوبة، بل على الكلمات التي بنينا منها كلّ هذه القصور.
مع فتغنشتاين حدث الانقلاب الثالث. لم يعد السؤال دائمًا: ما الجواب؟ صار أحيانًا: هل السؤال نفسه سليم؟
هذه نقلةٌ لا يدرك أثرها إلّا من جرّبها. أن تكتشف أنّك قضيتَ شهورًا تدور حول مشكلةٍ لم تكن مشكلةً في العالم، بل عقدةً في لغتك عنه. أنّك أخذتَ صيغةً نحوية — «أين يوجد المعنى؟»، «ما طبيعة الزمن؟» — وعاملتَها كما تعامل «أين مفاتيحي؟»، فبحثتَ عن شيءٍ في مكان، بينما لم يكن هناك شيءٌ ولا مكان، بل استعمالٌ للغة أوهمك بوجودهما.
في مرحلته المبكرة بدا فتغنشتاين كمن يريد أن يرسم للعالم حدًّا من داخل اللغة والمنطق: ما يمكن قوله يجب أن يُقال بوضوح، وما يعجز القولُ عنه لا يُصلحه مزيدُ كلام؛ وما لا يمكن الكلام عنه يجب السكوت عنه. وكان لهذا الموقف وقعٌ كبير عليّ، لأنّني وجدتُ فيه انضباطًا قريبًا من انضباط كانط، لكن منقولًا من ساحة العقل إلى ساحة العبارة. الحدُّ نفسه، بأداةٍ أخرى.
ثمّ جاء فتغنشتاين المتأخّر ليهدم حتى الصورة التي صنعها بنفسه — وهذا وحده درسٌ في الأمانة الفكرية يعزّ نظيره.
لم تعد اللغة مرآةً واحدة للعالم، بل شبكةً من الاستعمالات، وألعابًا تُلعب بقواعد متعدّدة، وأشكالَ حياةٍ تتجذّر فيها الكلمات. المعنى ليس شيئًا يختبئ خلف الكلمة كالروح خلف الجسد؛ كثيرًا ما يكون في استعمالها، في ما نفعله بها، وفي التدريب الذي تعلّمنا به أن نفعله.
وهنا بدأتُ أرى كم أنّ الفلسفة قادرةٌ على أن تصنع أمراضها بنفسها، ثم تُمضي عمرها في علاجها؛ وأنّ كثيرًا من «العمق» الذي نبجّله ليس إلّا صورةً التبستْ علينا فحسبناها اكتشافًا.
فتغنشتاين علّمني ألّا أنخدع بسهولة بالكلمات الكبيرة. كلّما سمعتُ «الوجود» أو «الحقيقة» أو «الوعي» أو «المطلق»، لم أعد أكتفي بالرهبة. صرتُ أسأل: كيف تُستعمَل هذه الكلمة؟ ما الذي نعنيه بها هنا تحديدًا، في هذه الجملة، في هذا السياق؟ هل أمامنا مشكلةٌ حقيقية، أم سِحرٌ نحويّ؟
ولستُ أزعم أنّ هذا الدواء بلا أعراض جانبية. فمن أدمن هذا السؤال قد ينتهي إلى تسطيحٍ من نوعٍ آخر: أن يردّ كلّ سؤالٍ كبير إلى سوء استعمالٍ للغة، وأن يعالج الحيرة الوجودية بوصفة نحوية. وليست كلّ حيرةٍ مرضًا لغويًّا؛ بعضها استجابةٌ سليمة لعالمٍ يستحقّ الحيرة.
لهذا صار فتغنشتاين عندي جهاز إنذارٍ لا فلسفةَ حياة. حين يبدأ الفكر في الطيران أكثر ممّا ينبغي، يطلب منه الهبوط. ولا يُطلب من جهاز الإنذار أن يُدير البيت.
الفصل الرابع: بين الثلاثة — هذا هو بيتي الفلسفي
مع الوقت أدركتُ أنّني لا أبحث عن فيلسوفٍ واحد أتبعه حتى النهاية. ولا أظنّ أنّ ذلك تردّد؛ أحسبه اكتشافًا.
فما يعنيني ليس أيّ الثلاثة على حقّ، بل التوتّر بينهم. وهذا التوتّر ليس نقصًا في تصميم بيتي، بل هو تصميمه.
من كانط أخذتُ الحدّ: أن أسأل عن شرعية القول قبل الافتتان بمضمونه.
ومن هيغل أخذتُ الجرأة على رؤية العلاقة والحركة والتاريخ، وعلى ألّا أقنع بجزيرةٍ من المفاهيم المعقّمة يعيش كلٌّ منها وحده.
ومن فتغنشتاين أخذتُ الارتياب في اللغة التي تحمل كلّ ذلك، بما فيها اللغة التي أصف بها الحدّ والحركة.
ولهذا صار فكري يتحرّك داخل مثلّثٍ لا يستقرّ: حدُّ العقل — شهيّةُ النسق — نقدُ اللغة. كلّما ملتُ إلى ضلع، شدّني الضلعان الآخران. إذا أفرطتُ في الحدود جفَّ الفكر؛ وإذا أفرطتُ في النسق تورّم؛ وإذا أفرطتُ في نقد اللغة خرس.
وربما كانت هذه المسافة هي المكان الأصدق بالنسبة إليّ. لا أريد عقلًا يزعم أنّه قادرٌ على كلّ شيء، ولا عقلًا يخاف الأسئلة الكبرى فيسمّي خوفَه صرامة، ولا لغةً تخدعني بمظهر العمق.
أريد أن أذهب بعيدًا — ومعي مكابح.
الفصل الخامس: الفلسفة التحليلية، أو المبضع وما لا يُشرَّح
من هنا كان انجذابي إلى الفلسفة التحليلية طبيعيًّا لا طارئًا.
ليس لأنّها تملك الحقيقة وحدها، ولا لأنّ الوضوح مرادفٌ للعمق — فكم من واضحٍ سطحيّ، وكم من غامضٍ يخفي ثراءً لم تُهيَّأ له لغةٌ بعد — بل لأنّها تُربّي عادةً عقليةً ثمينة:
ألّا تنبهر بالجملة قبل أن تفهمها.
وهذا درسٌ أثمن ممّا يبدو. فالفكر، خصوصًا حين يقترب من الميتافيزيقا، ينتج جملًا شديدة الجمال قادرةً على أن تخلق فينا شعور الفهم من دون أن تمنحنا فهمًا. وهذا الشعور خادعٌ لأنّه لا يُميَّز من داخله عن الفهم الحقيقي: الرضا الذي تتركه العبارة العميقة في النفس هو نفسه الرضا الذي يتركه الفهم، فلا يكشف الفرقَ إلّا الاختبار.
والتحليلية تقطع الطريق على هذا الإغراء بأسئلةٍ بسيطة إلى حدّ الوقاحة: تعالَ نحدّد المصطلحات. ما الحجّة؟ ما المقدّمات؟ هل تلزم النتيجة عنها؟ هل تستعمل الكلمة بالمعنى نفسه في أوّل الكلام وآخره؟ وحين تُطرح هذه الأسئلة على نصٍّ متورّم، ينكمش كثيرًا. وحين تُطرح على نصٍّ حقيقيّ، يزداد وضوحًا ولا ينكسر.
لكنّني تعلّمتُ مع الوقت أنّ المبضع لا يكفي لبناء إنسان. يمكنك أن تحلّل الجملة حتى آخر ذرّة، ثم يبقى سؤالٌ لا يجيب عنه التحليل: وماذا بعد؟ فالتحليل يُخبرك بما لا يصحّ قولُه، ونادرًا ما يخبرك بما يستحقّ أن يُقال. وهو ممتازٌ في نزع الأعشاب، ضعيفٌ في اقتراح ما يُزرع.
ثم إنّ في الصرامة إغراءها الخاص: أن تصير الدقّة مهربًا من المسألة. فمن السهل أن تُمضي عمرك في تنقيح تعريف مفهومٍ فرعيّ، لأنّ ذلك عملٌ يمكن إتقانه والفراغ منه ونيل التقدير عليه، بينما السؤال الكبير يبقى معلّقًا لأنّه لا يُنجَز.
ولهذا احتفظتُ بالتحليلية أداةً صارمة، لا عقيدةً شاملة. أستعملها لتنظيف الطريق، لا لأقنع بأنّ تنظيف الطريق هو السفر.
الفصل السادس: الرياضيات، أوثقُ ما نعرف وأغمضُ ما نملك
للرياضيات مكانٌ مختلف في ذهني. هي ليست معرفةً أحبّها فحسب، بل مكانٌ أعود إليه حين يُتعبني غموض الفلسفة.
في البرهان صرامةٌ مريحة. يمكن تتبّع الخطوة بعد الخطوة، ويمكن معرفة أين أخطأتَ بالضبط، ويمكن أن ينتهي الخلاف لا بغلبة بلاغةٍ بل بإقرار. هذه واحةٌ نادرة في حياة العقل: مكانٌ يُقنعك فيه خصمُك ولا تشعر بالهزيمة.
لكنّ المفارقة أنّ أشدّ العلوم صرامةً يفتح بدوره أغربَ الأسئلة الفلسفية.
ما العدد؟ أين يوجد؟ هل اكتشفناه أم اخترعناه؟ وكيف يمكن لبنيةٍ تجريدية وَلَدها العقل — أو زعم أنّه ولدها — أن تصف العالم الطبيعي بهذه الكفاءة المزعجة، حتى إنّ معادلاتٍ كُتبت لغرضٍ نظريّ محض تُوجد بعد عقودٍ جسيماتٍ لم يكن أحدٌ يبحث عنها؟
هذه الأسئلة أبقت علاقتي بالرياضيات حيّة. العدد «٧» يبدو أبسط شيءٍ في العالم حتى تسأله فلسفيًّا؛ عندها ينقلب لغزًا. هل هو كيانٌ مستقلّ قائمٌ في عالمٍ لا زمانَ فيه ولا مكان؟ فإن كان كذلك، فبأيّ وسيلةٍ ندركه نحن الكائنات الزمانية المكانية، ولا سبيل لنا إلى معرفة شيءٍ إلّا بأثرٍ يتركه فينا؟ أم هو مجرّد موقعٍ داخل نسقٍ رمزيّ لا هوية له خارج علاقاته، كما لا معنى لمربّع الملك في الشطرنج خارج اللعبة؟ أم هو أثرُ عادةٍ إنسانية في العدّ، ترسّخت حتى بدت ضرورة؟
هنا يظهر الحرج بأتمّ صورته: كلّما جعلنا الرياضيات موضوعيةً مستقلّة، صَعُب تفسير معرفتنا بها؛ وكلّما جعلناها من صنعنا، صَعُب تفسير سلطانها علينا وصلاحيتها للعالم. المعرفة والوجود يتنازعان العددَ، ولا أحد منهما يتنازل.
وهكذا وجدتُ نفسي، حتى في أكثر المجالات صرامة، أعود إلى المشكلة إيّاها: العقل، والعالم، والحدّ الفاصل بين ما نصنعه وما نكتشفه — وهو الحدّ الذي أعتقد الآن أنّه موضوع حياتي الفكرية كلّها، وإن ظهر في كلّ فصلٍ بثوبٍ مختلف.
الفصل السابع: الإيمان، أو ما لا أريد للعقل أن يلغيه ولا أن يبتلعه
لم أستطع يومًا أن أعامل الإيمان بوصفه مسألةً معرفيةً من النوع الذي يُحسم بالبرهان، كما تُحسم مسألةٌ في الهندسة. وفي الوقت نفسه لم أرضَ له أن يتحوّل إلى رخصةٍ لإلغاء العقل، ولا إلى ملاذٍ يلجأ إليه الفكر حين يتعب من الدقّة.
لهذا ظلّت علاقتي به واقفةً على حافّةٍ دقيقة، وأحسب أنّ الوقوف على هذه الحافّة هو الموقف الصحيح، لا مرحلةً انتقالية أنتظر الخلاص منها.
أنا لا أريد من العلم أن يمنحني معنى الوجود، لأنّه لم يوضع لذلك ولا يملك أدواته؛ ولا أريد من الإيمان أن يتحوّل إلى كتابٍ في الفيزياء، لأنّه حين يفعل يخسر مرّتين: يقدّم فيزياءَ رديئة، ويفقد ما يخصّه.
لكلّ مجالٍ حدوده، غير أنّ الحدود لا تعني الانفصال التامّ؛ فالإنسان الذي يعيش في المجالين واحد، ولا يستطيع أن يقسم نفسه نصفين لا يلتقيان.
الإيمان عندي يذكّرني بأنّ الإنسان لا يعيش باليقين وحده. نحن نعرف أشياء، ونرجو أشياء، ونثق في أشياء، ونحبّ أشياء لا تُختزل كلُّها في اختبارٍ مخبريّ. ومن ينكر ذلك عليه أن ينكر أوّلًا ثقتَه بمن حوله، فهي بدورها التزامٌ يتجاوز ما تسنده الأدلّة.
لكنّ هذا لا يمنحنا رخصةً لإلباس الرغبة ثوبَ المعرفة. أن يكون الرجاء مشروعًا شيء، وأن يُقدَّم بوصفه خبرًا مؤكَّدًا عن العالم شيءٌ آخر. والخلط بينهما ليس تديّنًا؛ إنّه ضعفٌ في التمييز يُلحق الضرر بالطرفين.
ومن هنا بقي سؤالي معلّقًا: كيف أكون صارمًا في المجال العامّ، حيث لا يلزم غيري إلّا ما يمكن تبريره أمامه، وأترك للإيمان مجاله، من دون أن يزيّف أحدُهما الآخر؟
لم أصل إلى حلٍّ نهائي. وربّما لا أريد حلًّا نهائيًّا، لأنّ الحلول النهائية هنا تُشترى دائمًا بثمنٍ باهظ: إمّا بتر جانبٍ من الإنسان، أو تزوير جانبٍ آخر.
أريد فقط ألّا أكذب على العقل باسم الإيمان، وألّا أقتل الإيمان باسم عقلٍ يظنّ أنّه اكتفى بنفسه.
الفصل الثامن: هايدغر، أو حين يعود السؤال من المعرفة إلى العمر
وسط هذا كلّه ظهر هايدغر، ومعه تغيّر السؤال مرّةً أخرى.
فبعد أن انشغلتُ طويلًا بما يمكن معرفته، وبكيف تعمل اللغة، وبكيف يُبنى النسق، جاء من يسأل: وماذا عن أنّك موجودٌ أصلًا؟ لا: ما الوجود بوصفه مقولة، بل: ما معنى أن تكون أنت الكائن الوحيد الذي يشكّل وجودُه مسألةً بالنسبة إليه؟
كان لهذا السؤال وقعٌ مختلف تمامًا. فقد اكتشفتُ أنّ العقل يستطيع أن يمضي سنواتٍ في تحليل الوجود بينما صاحبُه ينسى حياته؛ وأنّ المعرفة الغزيرة بالعالم لا تعني بالضرورة معرفةً بكيفية السكن فيه.
وفيه بصيرةٌ رافقتني منذ ذلك الحين: أنّ علاقتنا الأولى بالأشياء ليست علاقة معرفةٍ نظرية. أنا لا ألتقي المطرقة بوصفها موضوعًا لي خصائصه، بل بوصفها شيئًا في اليد، منخرطًا في عملٍ وغاية. والنظر المجرّد إليها ليس هو الأصل، بل ما يحدث حين تنكسر: حينها فقط تنفصل عن سياقها وتصير «موضوعًا». وهذا يقلب ترتيبًا ظننتُه بديهيًّا: النظرية ليست أساس الحياة، بل انقطاعٌ فيها.
ثم إنّ ثقله وغموضه أعاداني إلى حقائق بسيطة إلى حدّ الوجع:
الزمن ليس موضوعًا فلسفيًّا فحسب. إنّه عمري.
والموت ليس مفهومًا يُحلَّل. إنّه نهاية إمكاناتي، وما يجعل لكلّ اختيارٍ ثمنًا حقيقيًّا — إذ لو كان الزمن لا نهائيًّا لما كلّف الاختيارُ شيئًا، ولاستطعتُ أن أفعل كلّ شيءٍ في وقتٍ ما، ولصارت المفاضلة ترفًا.
والأصالة ليست مصطلحًا للتداول الأكاديمي. إنّها سؤالٌ عمّا إذا كنتُ أعيش حياتي أنا، أم أعيش ما يُعاش عادةً، منقادًا إلى ما يقوله «الناس» ويقرؤه «الناس» ويريده «الناس»، حيث لا يكون أحدٌ بعينه هو من قرّر، ومع ذلك يكون كلُّ شيءٍ قد تقرّر.
ولستُ ممّن يتلقّى هذا كلَّه بلا تحفّظ. ففي هذه اللغة إغراءٌ بأن تجعل من الرصانة الوجودية أسلوبًا، ومن الجدّية مقامًا يُتباهى به، بينما هي في أصلها دعوةٌ إلى الصمت والعمل. ثمّ إنّ من يتحدّث كثيرًا عن الأصالة قد يُنشئ منها بدورها امتثالًا جديدًا: قطيعًا من الأفراد المتشابهين في زعم التفرّد.
لذلك ظلّ هايدغر عندي زائرًا لا مقيمًا. أحتاجه حين يتحوّل الفكر عندي إلى لعبةٍ مستقلّة عن الحياة، فيأتي بالسؤال الثقيل الذي لا أملك له جوابًا جاهزًا: وماذا فعل كلُّ هذا بك؟
الفصل التاسع: البرمجة، أو حين يصمت التأويل
في البرمجة أجد شيئًا لا تمنحني إيّاه الفلسفة: مقاومةً لا تُجامل.
الكود لا يهتمّ بنواياك. لا يعترف بحسن قصدك، ولا بجمال تصميمك، ولا بطول ما أنفقتَ عليه. إمّا أن يعمل أو لا يعمل. وهذه القسوة جميلة، لأنّها تحرّرك من محكمة الأذواق.
في الفلسفة قد أظنّ أنّني فهمتُ فقرةً، وليس هناك ما يكذّبني فورًا؛ يمكن أن أعيش داخل وهم الفهم سنوات. أمّا في البرمجة فالوهم عمره ثوانٍ. تُشغّل البرنامج فيرد عليك العالم — أو أقرب صورةٍ منه — بلا مجاملة.
وفي هذا راحةٌ غريبة. بعد ساعاتٍ من التعامل مع كانط وهيغل وفتغنشتاين وهايدغر، يمنحني سطرُ كودٍ يعمل أخيرًا يقينًا صغيرًا، لكنّه نقيّ، لأنّه لم يأتِ من إقناع نفسي.
وفيها أيضًا درسٌ فلسفيّ لا يُقدَّر: أنّ تحويل فكرةٍ إلى برنامج هو أقسى اختبارٍ لوضوحها. لأنّ الآلة لا تسدّ الفجوات بالحسن نية، ولا تُكمل ما نسيتَ قوله كما يفعل القارئ الكريم. كلّ غموضٍ في فكرتك يظهر خطأً في التنفيذ. ولو أنّ الفلسفة اختُبرت بهذه الطريقة لسقط منها الكثير — ولنجا منها ما هو أصلب ممّا نظنّ.
ومع ذلك فهمتُ أنّ البرمجة ليست وطني الفكري. هي أداة، ومهارة، ومساحةٌ لصقل الدقّة. لا أريدها أن تبتلع بقيّة حياتي، لأنّ أكثر الأدوات فائدةً هي أقدرها على أن تستهلك الوقت كلَّه بذريعة الفائدة. الأدوات تُغري بأنّها تُنجَز، والمعنى لا يُنجَز؛ فيهرب المرء إلى ما يُنجَز.
الفصل العاشر: الترجمة، أو سنواتُ الإقامة في أصوات الآخرين
أمّا الترجمة فقد منحتني متعةً من نوعٍ خاصّ، لا تُشبه متعة القراءة ولا متعة الكتابة.
أن تدخل عقل كاتبٍ آخر لا بوصفك ضيفًا، بل بوصفك من يُعيد بناء البيت بموادّ أخرى. أن تبحث عن أقرب كلمةٍ إلى فكرته، فتكتشف أنّ «الأقرب» ليست الأدقّ دائمًا. أن تتردّد أمام مصطلحٍ لأنّه يحمل تاريخًا لا تحتمله كلمةٌ واحدة في لغتك، فتُدرك أنّ عليك أن تختار: إمّا أن تخون المعنى، أو أن تخون السلاسة، أو أن تخون قارئك بحاشيةٍ تشرح ما لم يشرحه الأصل.
الترجمة ليست نقل كلمات، بل تفاوضٌ دائم مع الخيانة. ولا يوجد مترجمٌ أمين؛ يوجد مترجمٌ يعرف أين يخون ولماذا.
وهي، إلى ذلك، أعمق أشكال القراءة على الإطلاق. لا يمكنك أن تمرّ فوق جملةٍ لم تفهمها، كما يفعل القارئ العادي الذي يواصل السير على أمل أن تتّضح لاحقًا. المترجم ممنوعٌ من هذا الترف: عليه أن يقرّر. وفي كلّ قرارٍ تأويلٌ صامت.
لكنّها تحمل خطرًا لم أُدركه إلّا متأخّرًا: يمكن أن تُمضي عمرك في تحسين أصوات الآخرين حتى تنسى صوتك. أن تصير وسيطًا ممتازًا، وقارئًا ممتازًا، ومفسّرًا ممتازًا — ثمّ تكتشف أنّك لم تقل شيئًا يخصّك. وأخبثُ ما في هذا الخطر أنّه لا يبدو تفريطًا، بل يبدو نُبلًا: خدمةً للثقافة، وتواضعًا أمام النصّ الكبير. ولذلك لا يشعر صاحبه بالذنب إلّا بعد فوات وقتٍ طويل.
ثمّ إنّ فيها ملاذًا خفيًّا من المسؤولية: حين تترجم، تكون الفكرة فكرةَ غيرك، والخطأ خطأَه، وأنت في مأمن. أمّا حين تكتب باسمك فأنت مكشوف.
لهذا تغيّرت علاقتي بها. لم أعد أريد أن أكون مترجمًا يقيم داخل نصوص الآخرين إقامةً دائمة. أريدها نافذة: أدخل منها، ثمّ أعود. فالاستضافة شيء، وفقدان البيت شيءٌ آخر.
تمت
سكاب العروي

تعليقات
إرسال تعليق