#مقاهي العقل: لقاء مع سارتر//
من سلسلة "لقاءات على حدود الوعي"
في زقاقٍ هادئ يشبه الممرات القديمة في باريس، كانت طاولة خشبية تنتظرني تحت ضوء أصفر خافت، كأنها حافظة لأسرار منسية.
جلستُ، فوجدته أمامي، بهيئته المعروفة: معطفه الداكن، نظارته السميكة، وتلك النظرة التي تُحيل اللحظة العادية إلى قلقٍ وجودي.
كان جان بول سارتر لا يشرب القهوة.
(لا تسألني، يا مَن تقرأ، كيف جرى اللقاء مع سارتر بالضبط. لستُ كاتب قصص محترف، ولستُ مضطرًا لتبرير التفاصيل الصغيرة التي لا تغيّر شيئًا من الجوهر… إلا إذا كنتُ أكتب في جريدة ويتضاعف أجري بعدد الكلمات!)
قال سارتر إن القهوة تشوش التفكير، لكنه طلب كأس ماء فقط، وقال إنه يكتفي بالحريق الداخلي.
تكلمنا طويلًا عن الحرية، عن "الوجود" الذي يسبق "الماهية"، عن الجحيم الذي هو الآخر، وعن الوحدة التي تشبه سكينًا غير مرئية...
كنت مستمعًا أكثر مني محاورًا. لكن شيئًا في داخلي كان يتململ، كأن سؤالًا قديمًا يتوسل لحظة الولادة.
قبل أن ينهض سارتر من على الطاولة،
ناولني سيجارة من علبة صغيرة بلون النبيذ العتيق.
قال:
"جرب هذه، تبغ كوبي، فاخر... لا يصلح للقلق."
أخذتُها منه بهدوء، دون كلمة.
كنت أحتاج إلى شيء يملأ هذا الفراغ المتوتّر بيننا.
أشعلتها، وشعرت بنشوة غريبة.
أنا أدخن سيجارًا فاخرًا، وأجلس مع فيلسوف الوجودية نفسه.
آهٍ… ما أحلى الأحلام حين تكون يقظة.
وما أقرب الفلسفة حين تأتيك على شكل دخان صراع افكار متناقضه.
ثم، كما لو أن السؤال كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات،
نظرتُ إليه وسألته، دون تخطيط:
"لكن يا سارتر... لماذا لم تؤمن؟"
توقف.
لم يتفاجأ. لم يغضب. فقط جلس من جديد،
كأن السؤال كان الدعوة الحقيقية لهذا اللقاء كله.
نفث أول سحابة من دخانه ببطء، ثم قال بصوتٍ أقرب إلى الاعتراف منه إلى الجدل:
"لستُ مؤمنًا، لا.
لكنني لا أكره الأديان، ولا أسخر منها كما يظن البعض.
أنا أتفق مع كل دين أو نظام أخلاقي يُوجّه الإنسان نحو تحقيق الماهية الخيّرة.
كانط مثلًا، لم يحتج إلى وحي سماوي كي يبني أخلاقًا كونية،
ومع ذلك، انتهى إلى معيارٍ يجعل من الإنسان غاية لا وسيلة،
وهذا، في جوهره، لا يختلف كثيرًا عن جوهر التعاليم العليا في الأديان.
أن يكون الإنسان صادقًا، مسؤولًا، حُرًّا، متجاوزًا لأهوائه،
فهذا هو المعيار الأخلاقي العالمي الذي يمكن أن نلتقي عنده،
سواء أتى عبر شريعةٍ إلهية أو عبر عقل عملي نزيه.
فإن اختار أحدهم دينًا أو فلسفة أخلاقية علمانية ليصوغ ماهيته،
فهو لا يخرج عن الحرية، بل يُمارسها،
ويصنع ذاته وفق ما يرى أنه خير، وهذا ما أفهمه تمامًا."
صمت قليلًا، كأنه يستمع لدخانه وهو يصعد في الهواء،
ثم أضاف:
"أعرف أنني قلتُ إن الوجود يسبق الماهية،
لكن بعض الأرواح، تلك التي تؤمن،
تبدأ مسيرتها من الماهية التي تبحث عنها… ثم تُوجد لتُحققها.
وهذا لا يُناقضني، بل يُجاورني."
سكتُّ لحظة، ثم قلت:
"وأنا؟ والمؤمنون؟"
ابتسم هذه المرة ابتسامةً ناعمة، لا ساخرة.
"أنت، وهم، وأنا…
جميعنا نُولد في صحراء الوعي،
جميعنا نتألم،
وجميعنا أحرار…
وهذه الحرية ليست هدية، بل عبء، ومسؤولية، وسؤالٌ بلا نوم.
نحن نملك حرية اختيار ماهيتنا،
أن نكون منسجمين مع ما نراه خيرًا،
سواء جاءنا وحيًا، أو وعياً، أو حتى حدسًا شعريًا."
نظر في ساعته القديمة، وقال:
"قد أعود إلى آلة الزمن. أو قد أبقى.
لكن تذكّر:
الإيمان ليس نقيضًا للحرية، كما ظن البعض،
بل قد يكون طريقًا آخر لتحملها."
ثم مشى.
وكنت أسمعه يقول، بصوت بعيد، ممتزج بدخان السيجار:
"ما دمتَ تسعى لماهيتك، فأنت موجود... حتى لو اختلفنا في الطريق."
---

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق